كتب اسامة الشريقي - شَهَدَ مجتمعنا في الفترة الماضية تزايداً ملحوظاً في ظاهرة التسول ، إلا أن ما يثير القلق بشكل خاص هو بروز فئة جديدة ضمن هذه الظاهرة ، تتمثل في بعض الطلبة الوافدين الذين يلجؤون إلى التسول في الشوارع والمساجد والأماكن العامة ، وقد أثار هذا المشهد تساؤلات واسعة بين أفراد المجتمع ، خاصة أن الطلاب يفترض أن يكونوا نموذجاً للعلم والاجتهاد ، لا أن يكونوا جزءاً من ظاهرة اجتماعية سلبية .
تشير ملاحظات ميدانية وشهادات متداولة إلى أن النسبة الكبرى من هؤلاء الطلبة ينحدرون من دول شرق آسيا ، وأن عدداً منهم يدرسون في تخصصات دينية ، وعلى رأسها تخصص الشريعة .
كما يلاحظ أنهم ينشطون في المساجد في أوقات الصلاة حيث يقومون بمخاطبة المصلين واستعطافهم بأسلوب ديني ، مستشهدين بآيات قرآنية ، أو أحاديث نبوية أو عبارات مؤثرة تستثير المشاعر لدى الناس .
وهذا نص مأخوذ من أحد المتسولين " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا طالب من الفلبي ونحن نأتي إلى دولتكم لتعلم الدين الإسلامي ، وأحتاج إلى الأموال لتسديد رسوم هذا الفصل ، يقول الله تعالى ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) " .
ورغم أن البعض قد يفسر هذه الظاهرة على أنها نتيجة مباشرة للضغوط الاقتصادية التي يواجهها الطلاب الوافدين ، مثل ارتفاع تكاليف الدراسة والمعيشة ، إلا أن هذا التفسير لا يكفي لفهم أبعاد المشكلة.
فهناك طلبة آخرون يمرون بظروف مشابهة لكنهم لا يلجؤون إلى التسول ، بل يبحثون عن بدائل مشروعة كفرص العمل الجزئي أو طلب مساعدة من الجهات المختصة ، وهذا يفتح الباب أمام وجود عوامل أخرى مثل ضعف الوعي ، أو غياب الإرشاد ، أو حتى الاعتياد على هذا السلوك.
من جهة أخرى ، تزداد خطورة الظاهرة إذا كانت مرتبطة بجهات أو شبكات تستغل هؤلاء الطلبة وتوجههم إلى التسول مقابل تحقيق مكاسب مادية ، ففي هذه الحالة يتحول الطالب من شخص محتاج إلى أداة ضمن منظومة استغلال ، ما يستدعي تدخل رجال الأمن العام .
لهذه الظاهرة آثار سلبية كثيرة ، تمتد إلى المجتمع ، إذ تسيء إلى صورة الطلبة الوافدين بشكل عام ، وقد تترك انطباعات سلبية تجاههم ، وإن انتشار التسول قد يضعف ثقافة العمل والاعتماد على النفس .
لمواجهة هذه الظاهرة ، لا بد من تبني حلول متكاملة لحلها من جذورها ، من جهة يجب توفير الدعم اللازم للطلبة الوافدين المحتاجين ، سواء من خلال منح مالية ، أو السماح لهم بالعمل تتناسب مع ظروفهم الدراسية ، ومن جهة أخرى ينبغي تعزيز الرقابة في الأماكن العامة، وفي المساجد ، ويذكر بشهادة بعض مسؤولي المساجد أن الأوقاف تمنع أي أحد من ممارسة هذه الأعمال السلبية .
ويقع على عاتق المؤسسات التعليمية دور مهم في توعية الطلبة الوافدين ، وتعريفهم بالطرق الصحيحة لطلب المساعدة عند الحاجة ، إضافة إلى مراقبة أوضاعهم بشكل مستمر ، كذلك ، يمكن للمجتمع المحلي أن يسهم في الحد من هذه الظاهرة بتوجيه الصدقات عبر المؤسسات الموثوقة يدلاً من تقديمها بشكل عشوائي .
وفي الختام تبقى ظاهرة التسول لدى الطلبة الوافدين قضية اجتماعية تتداخل فيها عوامل اقتصادية وثقافية ، مما يُلزمنا لتضافر جهودنا مع الجهات الرسمية والمؤسسات التعليمية ، فمعالجة هذه الظاهرة لا تكون بمنعها فقط ، بل بفهم أسبابها والعمل على إيجاد حلول تحفظ كرامة الطلاب وتدعم مسيرتهم التعليمية بشكل إيجابي وسليم .