كتب -  زياد فرحان المجالي

أظهرت الحرب مع إيران أن مفهوم القوة لم يعد مرتبطًا بالسلاح وحده، ولا بالتحالفات السياسية التقليدية فقط، بل بالقدرة على التأثير في الممرات البحرية التي تمر عبرها الطاقة والتجارة العالمية.

كان مضيق هرمز نقطة التحول الأبرز. فقد كشف أن أي اضطراب في ممر بحري واحد قادر على إرباك الأسواق، وتحريك أسعار النفط، ودفع دول كبرى إلى البحث عن بدائل آمنة للإمداد. ومن هنا بدأت واشنطن تنظر إلى الأزمة بوصفها أكثر من مواجهة مع إيران؛ إنها اختبار لقدرة الولايات المتحدة على حماية طرق التجارة والطاقة.

في هذا السياق، يكتسب وصول النفط الأميركي من تكساس إلى اليابان عبر قناة بنما أهمية خاصة. فالحدث لا يعكس تحولًا تجاريًا فقط، بل يشير إلى سعي أميركي لتعزيز دورها كمصدر بديل للطاقة، خصوصًا للدول الآسيوية التي تعتمد تاريخيًا على نفط الشرق الأوسط.
الأمر لا يقف عند هرمز. فقناة بنما، وباب المندب، ومضيق ملقا، وجبل طارق، والبحر الأحمر، أصبحت كلها جزءًا من تفكير استراتيجي أوسع. فالممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط نقل، بل أدوات نفوذ سياسي واقتصادي.

غير أن هذا التوجه يحمل مخاطر واضحة. فتعزيز الحضور الأميركي في الممرات قد يثير تنافسًا أوسع مع قوى دولية مثل الصين وروسيا، كما قد يزيد من حساسية الأسواق أمام أي توتر عسكري أو سياسي.

الدرس الأهم أن واشنطن أدركت أن التأثير في العواصم لا يكفي إذا بقيت طرق الطاقة والتجارة عرضة للاضطراب. لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا أكبر من سياسة إدارة الحلفاء إلى سياسة إدارة الممرات.

الخلاصة أن هرمز لم يكن أزمة عابرة، بل لحظة كشفت أن السيطرة على الشرايين البحرية قد تكون أحد أهم مفاتيح القوة في النظام العالمي الجديد.