كتب  اللواء المتقاعد د.موسى العجلون
لم تعد معركة الأردن مع شبكات تصنيع وتهريب المخدرات على حدوده الشمالية مجرد اشتباك أمني تقليدي، بل تحولت – وفق المعطيات الميدانية الأخيرة – إلى نموذج متقدم في إدارة التهديدات غير التقليدية. فالضربات الاستباقية التي نفذتها القوات المسلحة الأردنية في عمق الجنوب السوري، خصوصاً في السويداء ودرعا، تعكس انتقالاً مدروساً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع الوقائي، في خطوة تستحق قراءة متأنية تتجاوز التوصيف العسكري إلى أبعادها الاجتماعية والإقليمية.

من الدفاع إلى المبادرة

لسنوات طويلة، اعتمد الأردن نهجاً دفاعياً يقوم على إحباط محاولات التسلل والتهريب عند الحدود. غير أن التطور اللافت في أساليب شبكات المخدرات – من مصانع ومزارع الإنتاج الى استخدام الطائرات المسيّرة إلى البالونات الموجهة – فرض معادلة جديدة لم يعد فيها الخط الحدودي كافياً لاحتواء الخطر. وهنا جاء التحول: نقل المعركة إلى مصدر التهديد نفسه.

هذا التحول، بشكله الحالي المركز والمخطط له، ليس مغامرة عسكرية، بل استجابة عقلانية لمعادلة أمنية متغيرة، تقوم على مبدأ معروف في العلوم العسكرية: أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم الوقائي حين تتوافر المعلومات الدقيقة والقدرة على التنفيذ الجراحي. وهو ما ظهر جلياً في الضربات التي استهدفت مصانع ومستودعات محددة بدقة عالية، ما قلل من الأضرار الجانبية وحافظ على الطابع المحدود للعملية.

تنسيق سيادي لا انتهاك

أحد أهم عناصر قوة هذه الاستراتيجية هو أنها لم تُبنَ على تجاوز السيادة، بل على التنسيق مع الحكومة السورية. هذا البعد بالغ الأهمية، لأنه يخرج العمليات من إطار الفعل الأحادي إلى إطار التعاون الأمني المشترك، ويعزز شرعيتها السياسية والقانونية.

التنسيق الأردني–السوري في هذا الملف لا يعكس فقط إدراكاً مشتركاً لحجم الخطر، بل يشير إلى نضج في إدارة التهديدات العابرة للحدود، حيث لم تعد السيادة تُفهم بمعزل عن الأمن المشترك. فالمخدرات، بطبيعتها، لا تعترف بالحدود، وبالتالي فإن مواجهتها تتطلب أدوات تتجاوز المقاربات التقليدية.

حماية الأمن الاجتماعي قبل الجغرافي

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه العمليات ذات طابع عسكري بحت، لكنها في جوهرها معركة لحماية البنية الاجتماعية الأردنية. فالمخدرات ليست مجرد سلعة مهربة، بل أداة تدمير صامتة تستهدف الشباب، وتضرب منظومة القيم، وتستنزف الاقتصاد، وتغذي الجريمة.

من هنا، فإن استهداف مصانع الإنتاج ومراكز التهريب في عمق الأراضي السورية هو في حقيقته استثمار في الاستقرار الداخلي، قبل أن يكون عملاً عسكرياً خارجياً. إنه انتقال من التعامل مع النتائج إلى معالجة الأسباب، وهو ما يميز السياسات الأمنية الناضجة عن تلك التي تكتفي بردود الفعل.

الأردن كخط دفاع إقليمي متقدم

لا يمكن قراءة هذه الاستراتيجية بمعزل عن بعدها الإقليمي. فالأردن لا يواجه تهديداً محلياً فحسب، بل يتصدى لمسارات تهريب عابرة للحدود تستهدف، في جزء كبير منها، أسواق دول الخليج. وهذا ما يمنح الدور الأردني بعداً قوميا يتجاوز حدوده الجغرافية، ليصبح خط الدفاع الأول عن الأمن الإقليمي في مواجهة اقتصاد غير مشروع وآفة اجتماعية مدمرة عابرة للدول.

وفي هذا السياق، فإن نجاح الأردن في تحييد جزء معتبر من هذه الشبكات لا يحمي الداخل الأردني فقط، بل يساهم في تقليص تدفقات المخدرات نحو المنطقة بأسرها، ما يعزز مكانته كشريك أمني موثوق في منظومة الاستقرار الإقليمي.

عقيدة أمنية تتجذر

ما نشهده اليوم ليس مجرد سلسلة عمليات عسكرية ، بل ملامح عقيدة أمنية استباقية ليست جديدة بالمطلق ولكنها تتأكد اليوم وتتجذر. عقيدة تقوم على:

* الاستباق وصنع الحدث بدل الانتظار لوقوعه
* التفكيك من المنبع والمصدر بدل الاحتواء عند الحدود
* التنسيق الإقليمي بدل العمل المنفرد
* توظيف الاستخبارات الدقيقة بدل القوة العشوائية

هذه المقاربة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التهديدات الحديثة، التي لم تعد تقليدية أو مرئية، بل شبكية ومعقدة ومتغيرة باستمرار.

الخلاصة

إن الاستراتيجية الأردنية في توجيه ضربات استباقية لأوكار تصنيع وتهريب المخدرات تمثل نموذجاً متقدماً في التوازن بين الحزم العسكري والحكمة السياسية. فهي لا تنزلق إلى تصعيد غير محسوب، ولا تكتفي في الوقت ذاته بردود الفعل عندما يقع الخطر، بل ترسم مساراً وسطاً قائماً على الردع الذكي والتعاون الإقليمي.

وفي زمن تتزايد فيه التهديدات غير التقليدية، يقدّم الأردن مثالاً لدولة تدرك أن حماية الحدود تبدأ أحياناً من خارجها، وأن الأمن الحقيقي لا يُقاس فقط بسلامة الأرض، بل بسلامة المجتمع أيضاً.