هوية نباتية عابرة للحدود
يُعرف العكوب علمياً باسم (Gundelia tournefortii)، وهو نبات بري ينتمي لفصيلة الشوكيات، ويمتد موطنه الأصلي ليشمل حوض البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط. ورغم ارتباطه الوثيق بالمطبخ الأردني، إلا أنه ينمو في جغرافيا واسعة تشمل بلاد الشام، وتركيا، وإيران، والعراق.
يفضل العكوب التربة الكلسية والمناخ الجبلي، حيث يبدأ دورة حياته مع بواكير العام في شهر كانون الثاني، ليتحول خلال أسابيع قليلة إلى "أيقونة" موسمية ينتظرها الأردنيون بشغف كعنوان لبداية الربيع.
جغرافيا التحدي وحكاية الوعورة
في الأردن، لا يُنال "ذهب الجبال" بيسر؛ فالبحث عنه يتطلب فراسة وخبرة في تضاريس المملكة الوعرة. ينتشر العكوب في سلسلة المرتفعات، من السلط وجرش وعجلون وإربد شمالاً، وصولاً إلى الكرك والطفيلة جنوباً. ولطالما ارتبط الحصول عليه بمخاطر الانزلاقات الجبلية ووخز الأشواك، مما جعل عملية "تلقيطه" طقساً سنوياً يمزج بين المغامرة وتأمين رزق موسمي للعديد من الأسر الريفية التي تملأ بضاعتُها الأسواق الشعبية والبسطات على الطرقات الرئيسية ومنصات التواصل الاجتماعي.
صيدلية طبيعية في طبق
بعيداً عن لذة المذاق، يمثل العكوب قيمة غذائية استثنائية؛ إذ يُنظر إليه كدرع واقٍ للكبد بفضل مركباته التي تطهر الجسم من السموم. كما أنه منجم للألياف والمعادن التي تعزز المناعة وتدعم صحة القلب، مما يجعل من تناوله في مطلع الربيع "ترياقاً" طبيعياً مستخلصاً من قلب الصخور، يجدد طاقة الجسد بعد شتاء طويل.
بين مهارة "التعكيب" وأفق الابتكار
لأن الأردنيين لا يرتوون من حضور العكوب في موسمه القصير، تبرع ربات البيوت في ثقافة "الادخار الغذائي". فبمجرد وصول المحصول، تتحول البيوت إلى ورش عمل دؤوبة لتنظيف النبات من أشواكه، ثم سلقه وتجميده. هذا "المخزون الاستراتيجي" يضمن حضور العكوب في الولائم على مدار العام، مطبوخاً بجميد الكرك الأصيل أو مقلياً بزيت الزيتون.
ومواكبةً لهذا العشق الشعبي، بدأت الجهات البحثية الوطنية مؤخراً (كخدمة للأمن الغذائي) العمل على مشاريع علمية تهدف لتطوير سلالات محسنة من العكوب لزراعتها وحمايتها من الانقراض، بما يضمن توفره كمنتج زراعي آمن يقلل عناء
البحث في الجبال الوعرة.
الخاتمة
يظل العكوب حكاية أردنية تجمع بين عراقة الماضي وآفاق المستقبل. فمن وعورة الجبال وقسوة الأشواك، إلى موائد الكرم وابتكارات العلم، يثبت هذا النبات أنه أكثر من مجرد وجبة؛ إنه رمز للارتباط الأبدي بالأرض الأردنية التي لا تبخل بخيراتها على من يعرف قدرها.