في الرابع من أيار من كل عام، لا يأتي يوم المرور العالمي كمجرد مناسبة توعوية عابرة، بل كإشارة ينبغي أن تُقرأ بعمق. يوم يُفترض أن يوقظ الوعي، ويحدّ من الحوادث، ويعيد الاعتبار لقواعد السير، ويُذكّر بالجهد الإنساني لمن يقفون في مواجهة الفوضى اليومية على الطرق. تُلقى فيه المحاضرات، وتُوزّع النشرات، وتُعرض مجسمات الحوادث كتحذير بصري صامت. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقاً: لماذا لا يتغير المشهد؟
في المملكة، الطريق ليس مجرد مسار، بل حالة قائمة بذاتها. هو فضاء تختلط فيه النية بالقوة، والقانون بالمزاج، والتنظيم بالارتجال. ومع تضخم عدد المركبات إلى ما يزيد عن 2.5 مليون، لم تعد الطرق مجرد بنية تحتية، بل أصبحت اختباراً يومياً لقدرة المجتمع على التعايش داخل مساحة محدودة.
المشكلة لا تقف عند حدود الاكتظاظ، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة مع الطريق. فالسلوك المروري يكشف عن مفارقة واضحة: معرفة بالقانون، يقابلها تجاوز له. الإشارة الضوئية تُفهم، لكنها لا تُحترم دائماً. المسرب معروف، لكنه قابل للتفاوض. والتجاوز ليس خرقاً طارئاً، بل ممارسة اعتيادية. هنا لا يغيب النظام تماماً، بل يتآكل تدريجياً.
في المقابل، البيئة التي يُفترض أن تحتضن هذا النظام تبدو في كثير من الأحيان عاجزة عن دعمه. طرق لا تستوعب الامتداد العمراني، إشارات قد تفقد وضوحها أو فعاليتها، وتخطيط يتأخر عن الواقع بخطوات. في مثل هذه المساحة، لا يُلغى الالتزام، لكنه يصبح هشّاً، قابلاً للانكسار عند أول ضغط.
ومع دخول الكاميرات الذكية إلى المشهد، ظهر شكل جديد من الانضباط؛ انضباط مرتبط بالمراقبة لا بالاقتناع. يخفف السائق سرعته عند الكاميرا، ثم يستعيد سلوكه بعدها، وكأن النظام أصبح نقطة محددة في الطريق، لا حالة مستمرة فيه. وهنا، يتحول الالتزام إلى رد فعل، لا إلى سلوك أصيل.
غير أن المشهد يكتمل حين نلتفت إلى الرصيف. ذلك الجزء الصغير من الطريق، الذي يفترض أن يكون مساحة أمان، تحول في كثير من المدن إلى مساحة غائبة أو مُستباحة. الرصيف قد يختفي، أو يضيق، أو يُحتل بالمركبات، أو يُعاد تعريفه بالكامل ليصبح امتداداً لنشاط آخر.
في حالات كثيرة، لا يُستخدم الرصيف للمشي، بل لعرض البضائع. تمتد المحال التجارية إليه، تُصفّ البضائع، وتُغلق المساحة، فيتحول من حق عام إلى مساحة خاصة. وبين مركبة تقف حيث لا يجب، وبضاعة تُعرض حيث لا ينبغي، يجد المشاة أنفسهم خارج المعادلة، مضطرين للنزول إلى الشارع، وكأن الطريق لم يُصمم لهم أصلاً.
هنا، لا يعود السؤال عن المرور فقط، بل عن العدالة في توزيع المكان. من يملك الطريق؟ ومن يُدفع إلى هامشه؟ ولماذا يصبح الأضعف دائماً هو من يتنازل؟
المشهد لا يتشكل من طرف واحد. السلوك يضغط على المكان، والمكان يعيد تشكيل السلوك. ومع مرور الوقت، تتكون حالة من التعايش مع الخلل، حيث لا يبدو ما يحدث استثناءً، بل يصبح القاعدة. الفوضى لا تُصدم، بل تُعتاد.
بعد أكثر من قرن على تأسيس المملكة، يبدو الطريق وكأنه يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تم بناء المساحات لتستوعب الإنسان، أم فقط لتتحمل المركبات؟ كيف يمكن أن تتوسع الطرق، بينما تتقلص المساحات التي يُفترض أن تحمي المشي؟ وكيف يتحول الرصيف من عنصر أساسي إلى تفصيل يمكن تجاوزه أو استغلاله؟
في يوم المرور العالمي، لا تكفي الدعوة إلى الالتزام، ولا تكفي الإشارة إلى المخالفات. المسألة أعمق من ذلك. إنها تتعلق بشكل العلاقة مع الطريق، ومع الآخر، ومع فكرة المشاركة نفسها. الطريق ليس مجرد خط ممتد، بل اتفاق غير مكتوب، ينجح بقدر ما يُحترم، ويفشل بقدر ما يُتجاهل.
وفي النهاية، لا يبقى إلا السؤال الذي يتكرر دون إجابة حاسمة: هل نحن أمام طريق يحتاج إلى تنظيم، أم أمام فهم جديد للطريق نفسه؟