الأسئلة الدفينة!
د. حسن البراري
جو 24 : مشاركة نتنياهو في مظاهرة باريس ازعجت الكثير من المراقبين على اعتبار أن الكثير من السياسيات الرسمية الإسرائيلية هي ترجمة حقيقية لإرهاب الدولة، فالعنف في التفكير الصهيوني ما هو إلا تكتيك لتحقيق اهداف سياسية، ويقترب هذا التوصيف كثيرا من تعريف الارهاب المعتمد لدى الكثير من الدوائر الغربية. واذا ما استمرت اسرائيل بهذه السياسة فإن مستقبلا قاتما ينتظرها وفقا لرأي ابرهام بورغ الذي اعلن العصيان والتمرد على الصهيونية. وهذا التفكير هو الذي قاد بورغ إلى خطوة مثيرة للاهتمام سنتطرق لها في هذا المقال.
فقبل أيام قليلة ماضية انضم ابرهام بورغ للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وهذه الخطوة بمثابة مفاجأة من العيار الثقيل في الشارع الإسرائيلي، فالرجل هو أحد أبرز رموز اليسار الصهيوني الإسرائيلي وعضو سابق وبارز في حزب العمل ورئيس سابق للوكالة اليهودية لمدة ثمان أعوام، كما شغل منصب رئيس الكنيست في نهاية التسعينيات وبداية الالفية الثالثة.
والحق أن بورغ لم ينتقل من حزب صهيوني لآخر بل انتقل إلى حزب معاد للصهيونية ما شكل صدمة كبيرة للكثير من الإسرائيليين، ومن دون شك ستدفع هذه الخطوة إلى وصم بورغ بالخيانة "للمثل" الصهيونية التي شكلت مكونا هاما في التنشئة السياسية والاجتماعية والثقافية ليهود إسرائيل بشكل عام. وابرهام بورغ هو ابن الدكتور يوسف بورغ الذي كان زعيما لحزب المفدال (الحزب القومي الديني) وهو الحزب الذي مثل مصالح المستوطنين بعد اختراقة من جماعات غوش ايمونيم الاستيطانية في منتصف السبعينيات. ولهذا يتساءل الكثيرون عن تفسير مقنع لهذا التحول في موقف ابرهام بورغ.
المتابع لهذه الشخصية الإسرائيلية لا يمكن له أن يتفاجأ بهذه الخطوة وبخاصة بعد أن مرّ ابراهام بورغ بمحطات فكرية هامة منذ انهيار محادثات كامب ديفيد واندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر من العام ٢٠٠٠. فالرجل اعتزل السياسة وكرّس وقتا كبيرا لاجراء مراجعات فكرية قادته إلى فهم جديد للصهيونية والتاريخ الصهيوني وأثارت اسئلة دفينة تعبر عن قلق حقيقي على مستقبل اليهود في المنطقة العربية. ففي عام ٢٠٠٣ كتب ابرهام بورغ مقالا هاما في صحيفة الجارديان البريطانية نعى فيه الحلم الصهيوني إذ وجه نقدا شرسا للمجتمع الإسرائيلي وبخاصة ما لاحظة من راحة نفسية تعتري من يسكن المستوطنات وهي تقام على حساب ارض الفلسطينيين.
وفي الاثناء استرعى انتباه بورغ أن الطريقة التي يستخدم ويوظف فيها اليهود وبشكل تلقائي المحرقة النازية لا تخدم مستقبل اليهود بشكل عام، وفي عام ٢٠٠٧ ألف كتابا حاز على اعجاب الملايين وترجم كتابة إلى لغات متعددة وفيه طرح سؤال كيف يمكن الانتصار على هتلر والانبعاث من رماد الهولوكوست. وطالب بورغ من الاسرائيليين الخروج من عقلية الهولوكوست والتصرف بشكل طبيعي وليس بناء على ثنائية متخلية على اعتبار ان العالم منقسم إلى يهود واغيار! وبورغ المتدين يستند إلى طروحات أحاد هعام (أحد أهم الفلاسفة اليهود الذي أسس تيار الصهيونية الثقافية) والذي كان يرى بأن اليهودية هي مناخ روحي وليست قيمة سياسية وبالتالي يمكن لليهود ممارسة القيم اليهودية دون الحاجة إلى الهجرة الى أرض فلسطين. فاليهودية وفقا لبورغ هي مناخ روحي في حين أن العسكرة والاحتلال تقوضان من الروحية اليهودية.
وأكثر من أي شيء آخر اثار هذ الكتاب غضب اليمين الإسرائيلي حتى أن أحدهم طالب بأن لا يدفن بورغ في مقبرة عظماء إسرائيل عندما تدنو لحظته. فبالنسبة للكثير من الصهاينة فإن بورغ ساهم من خلال كتاباته وجرأته في التعبير عن نفسه في الاعلام بنزع الشرعية عن إسرائيل وشيطنتها في وقت وصلت العلاقات الاسرائيلية الفلسطينية إلى أدنى مستوى لها منذ عقدين. فاليمين الإسرائيلي المنتصر داخليا والمنتشي هو منفصل عن الواقع ويعيش في حالة من الوهم المستمر التي ستقوض من دولة إسرائيل. وهنا مكمن النقد الحقيقي الذي يصر عليه بورغ والذي دفعه للعودة عن قرار اعتزال السياسة على أمل التأثير من جديد في دينامية القوة في المجتمع الإسرائيلي.
واستنادا لهذا التقديم لا أجد غرابة في أن ينفصل ابرهام بورغ عن الجسم الصهيوني الاحلالي الذي يخوض حربا عدوانية شرسة عنوانها ضمان يهودية الدولة والزحف الاستيطاني على حساب الآخر الفلسطيني. ومع ذلك ربما لم يخطر على بال أحد من قبل بأن بورغ سينتهي به المطاف منتسبا الى حزب يعادي الصهيونية ويسيطر عليه عرب إسرائيل، فقد اعتقد الكثيرون وكاتب السطور من بينهم بأن بورع كان سيستمر في رفضة للسياسة الصهيونية وأنه مواقفه ما كانت لتتعدى الكتابة والقاء المحاضرات لكن ليس العودة للسياسة من بوابة حزب معاد للصهيونية.
ربما سيفرح الكثير من العرب بخطوة ابرهام بورغ الأخيرة بوصفها رافدا ودليلا اضافيا على صدقية الرواية العربية حول الصراع، وهي بطبيعة الحال خطوة على أهميتها لا يمكن لها أن تكون بديلا من قريب ولا من بعيد عن ضرورة اجتراح استراتيجية للتصدي للاحتلال والتوسع الاستيطاني، وعلى الجانب الفلسطيني على وجه التحديد أن يقرأ ما قام به بورغ في سياقه الصحيح، فبورغ وما يمثله من أفكار لا يعكس التيار السائد في إسرائيل بعد الانزياح الهائل في مركز السياسة الاسرائيلية إلى اليمين منذ أن صعد نتنياهو للحكم للمرة الأولى عام ١٩٩٦. بمعنى، ستستمر مواجهة الشعب الفلسطيني مع احتلال بغيض ويمين اسرائيلي اعاد تعريف اسرائيل لنفسها كدولة لليهود وله طروحات لن تقبل بالحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به الفلسطينيون في سياق اتفاقية سلام. فأهمية خطوة بورغ الأخيرة لا تتعدى اعادة طرح الاسئلة الدفينة التي تعتمل في عقول وصدور ما تبقى من التيار ما بعد الصهيوني، وهو التيار الذي ظهر في نهاية الثمانينيات الا أنه ما لبث أن اختفى مع صعود اليمين المتطرف واندلاع انتفاضة الأقصى.
فقبل أيام قليلة ماضية انضم ابرهام بورغ للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وهذه الخطوة بمثابة مفاجأة من العيار الثقيل في الشارع الإسرائيلي، فالرجل هو أحد أبرز رموز اليسار الصهيوني الإسرائيلي وعضو سابق وبارز في حزب العمل ورئيس سابق للوكالة اليهودية لمدة ثمان أعوام، كما شغل منصب رئيس الكنيست في نهاية التسعينيات وبداية الالفية الثالثة.
والحق أن بورغ لم ينتقل من حزب صهيوني لآخر بل انتقل إلى حزب معاد للصهيونية ما شكل صدمة كبيرة للكثير من الإسرائيليين، ومن دون شك ستدفع هذه الخطوة إلى وصم بورغ بالخيانة "للمثل" الصهيونية التي شكلت مكونا هاما في التنشئة السياسية والاجتماعية والثقافية ليهود إسرائيل بشكل عام. وابرهام بورغ هو ابن الدكتور يوسف بورغ الذي كان زعيما لحزب المفدال (الحزب القومي الديني) وهو الحزب الذي مثل مصالح المستوطنين بعد اختراقة من جماعات غوش ايمونيم الاستيطانية في منتصف السبعينيات. ولهذا يتساءل الكثيرون عن تفسير مقنع لهذا التحول في موقف ابرهام بورغ.
المتابع لهذه الشخصية الإسرائيلية لا يمكن له أن يتفاجأ بهذه الخطوة وبخاصة بعد أن مرّ ابراهام بورغ بمحطات فكرية هامة منذ انهيار محادثات كامب ديفيد واندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر من العام ٢٠٠٠. فالرجل اعتزل السياسة وكرّس وقتا كبيرا لاجراء مراجعات فكرية قادته إلى فهم جديد للصهيونية والتاريخ الصهيوني وأثارت اسئلة دفينة تعبر عن قلق حقيقي على مستقبل اليهود في المنطقة العربية. ففي عام ٢٠٠٣ كتب ابرهام بورغ مقالا هاما في صحيفة الجارديان البريطانية نعى فيه الحلم الصهيوني إذ وجه نقدا شرسا للمجتمع الإسرائيلي وبخاصة ما لاحظة من راحة نفسية تعتري من يسكن المستوطنات وهي تقام على حساب ارض الفلسطينيين.
وفي الاثناء استرعى انتباه بورغ أن الطريقة التي يستخدم ويوظف فيها اليهود وبشكل تلقائي المحرقة النازية لا تخدم مستقبل اليهود بشكل عام، وفي عام ٢٠٠٧ ألف كتابا حاز على اعجاب الملايين وترجم كتابة إلى لغات متعددة وفيه طرح سؤال كيف يمكن الانتصار على هتلر والانبعاث من رماد الهولوكوست. وطالب بورغ من الاسرائيليين الخروج من عقلية الهولوكوست والتصرف بشكل طبيعي وليس بناء على ثنائية متخلية على اعتبار ان العالم منقسم إلى يهود واغيار! وبورغ المتدين يستند إلى طروحات أحاد هعام (أحد أهم الفلاسفة اليهود الذي أسس تيار الصهيونية الثقافية) والذي كان يرى بأن اليهودية هي مناخ روحي وليست قيمة سياسية وبالتالي يمكن لليهود ممارسة القيم اليهودية دون الحاجة إلى الهجرة الى أرض فلسطين. فاليهودية وفقا لبورغ هي مناخ روحي في حين أن العسكرة والاحتلال تقوضان من الروحية اليهودية.
وأكثر من أي شيء آخر اثار هذ الكتاب غضب اليمين الإسرائيلي حتى أن أحدهم طالب بأن لا يدفن بورغ في مقبرة عظماء إسرائيل عندما تدنو لحظته. فبالنسبة للكثير من الصهاينة فإن بورغ ساهم من خلال كتاباته وجرأته في التعبير عن نفسه في الاعلام بنزع الشرعية عن إسرائيل وشيطنتها في وقت وصلت العلاقات الاسرائيلية الفلسطينية إلى أدنى مستوى لها منذ عقدين. فاليمين الإسرائيلي المنتصر داخليا والمنتشي هو منفصل عن الواقع ويعيش في حالة من الوهم المستمر التي ستقوض من دولة إسرائيل. وهنا مكمن النقد الحقيقي الذي يصر عليه بورغ والذي دفعه للعودة عن قرار اعتزال السياسة على أمل التأثير من جديد في دينامية القوة في المجتمع الإسرائيلي.
واستنادا لهذا التقديم لا أجد غرابة في أن ينفصل ابرهام بورغ عن الجسم الصهيوني الاحلالي الذي يخوض حربا عدوانية شرسة عنوانها ضمان يهودية الدولة والزحف الاستيطاني على حساب الآخر الفلسطيني. ومع ذلك ربما لم يخطر على بال أحد من قبل بأن بورغ سينتهي به المطاف منتسبا الى حزب يعادي الصهيونية ويسيطر عليه عرب إسرائيل، فقد اعتقد الكثيرون وكاتب السطور من بينهم بأن بورع كان سيستمر في رفضة للسياسة الصهيونية وأنه مواقفه ما كانت لتتعدى الكتابة والقاء المحاضرات لكن ليس العودة للسياسة من بوابة حزب معاد للصهيونية.
ربما سيفرح الكثير من العرب بخطوة ابرهام بورغ الأخيرة بوصفها رافدا ودليلا اضافيا على صدقية الرواية العربية حول الصراع، وهي بطبيعة الحال خطوة على أهميتها لا يمكن لها أن تكون بديلا من قريب ولا من بعيد عن ضرورة اجتراح استراتيجية للتصدي للاحتلال والتوسع الاستيطاني، وعلى الجانب الفلسطيني على وجه التحديد أن يقرأ ما قام به بورغ في سياقه الصحيح، فبورغ وما يمثله من أفكار لا يعكس التيار السائد في إسرائيل بعد الانزياح الهائل في مركز السياسة الاسرائيلية إلى اليمين منذ أن صعد نتنياهو للحكم للمرة الأولى عام ١٩٩٦. بمعنى، ستستمر مواجهة الشعب الفلسطيني مع احتلال بغيض ويمين اسرائيلي اعاد تعريف اسرائيل لنفسها كدولة لليهود وله طروحات لن تقبل بالحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به الفلسطينيون في سياق اتفاقية سلام. فأهمية خطوة بورغ الأخيرة لا تتعدى اعادة طرح الاسئلة الدفينة التي تعتمل في عقول وصدور ما تبقى من التيار ما بعد الصهيوني، وهو التيار الذي ظهر في نهاية الثمانينيات الا أنه ما لبث أن اختفى مع صعود اليمين المتطرف واندلاع انتفاضة الأقصى.








