jo24_banner
jo24_banner

حتى ننجح!

د. حسن البراري
جو 24 :


شكلت الطريقة البشعة والمتوحشة التي استخدمتها داعش في اغتيال الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة صدمة كبيرة للأردنيين وربما لكل المجتمعات الانسانية، فحرق رهينة بهذه الطريقة قرع جرس الانذار لدى القوى الحية في العالم وخلق رأيا عاما عالميا يطالب باجتثاث الارهاب من جذوره. ولا نبالغ عندما نقول أن داعش اخفقت هذه المرة في بث الرعب في قلوب البشر، فحرقها البشع للطيار الأردني خسّرها معركة البروباغندا وأثبت للقاصي والداني أننا أمام معركة قيمية استثنائية مع قوى ظلامية اساءت للإنسانية ولديننا الحنيف.

لم يكن نبأ اغتيال الشهيد الكساسبة أمرا عاديا في الأردن، بل خلق حالة من الاصطفاف الوطني وحّدت الأردنيين وهو أمر ليس مستغربا على مجتمع وقف دائما موحدا في وقت المحن، فالأردنيون وضعوا كل شيء جانبا وعبروا بشكل لا يقبل التأويل عن تعاطفهم الشديد مع عائلة الشهيد وعن موقفهم من داعش. فعندما دخل الأردن مع عدد من الدول العربية الحرب على داعش، كانت هناك أصوات اردنية تقول أن الحرب ليست حربنا، غير أن التوحش الداعشي الذي تجلى بأبشع صوره بالطريقة التي تم فيها قتل الطيار الأردني غيرت من المزاج العام بشكل جذري وأقنعت أعدادا متزايدة من الشعب بأن الحرب اليوم هي حربهم ضد توحش داعش.

فقبل اعدام داعش للطيار الأردني حرقا كان هناك انقسام مجتمعي في الأردن بين من يقول أنها حرب استباقية محدودة يخوضها الأردن حماية لأمنه الوطني ومن يقول أنها ليست حربنا لأن المجتمع الأردني في منأى عن تأثير داعش وانها في نهاية الامر حرب غربية لا يجب أن يكون الاردن رأس حربة فيها. ونظرة سريعة على ما يكتبه الأردنيون على وسائل الاتصال الاجتماعي تساعد في تكوين نظرة دقيقة عن المزاج العام، لذلك يمكن القول بأن المجتمع الأردني بعد حادثة اغتيال الشهيد الكساسبة ليس نفس المجتمع قبل الحادثة، وبهذا المعنى فالحرب هي حرب الأردنيين ايضا! ومع مطالبة الاردنيين جيشهم بأن يرد بشكل مزلزل يرى بعض العقلاء في الأردن بأنه لا ينبغي أن يجر الأردن الى ردود فعل انفعالية، فالرد على داعش يجب أن يكون ردا مدروسا ومنسجما مع أهداف الأردن الأمنية والاستراتيجية.

يخطئ من يظن أن الوقفة المطلوبة اليوم تقتصر على المقاربة الأمنية والعسكرية، فتنظيم داعش يستند إلى فكر سابق لتأسيس هذا التنظيم الارهابي وهو فكر له من المؤيدين ما يجعله قابل للاستمرار إلا إذا تم الالتفات الى الجانب الاهم في المعركة ضد التطرف وهو الجانب المجتمعي والاقتصادي الذي انتج الظروف المناسبة وأنضج المناخ المناسب للتطرف. فمن دون شك فإن الولايات المتحدة قادرة على الحاق هزيمة بهذا التنظيم لكنها غير قادرة على الحاق هزيمة بهذا الفكر إلا إذ رافق المقاربة العسكرية مقاربة مجتمعية بتنا في اشد الحاجة اليها هذه الأيام. فعندما تم الحاق هزيمة بتنظيم القاعدة في العراق وفي افغانستان كان الانطباع السائد آنذاك بأن هذا التنظيم انتهى، لكن ثبت للجميع بأن التنظيم قادر على اعادة بناء قوته وقدرته على التهديد تحت مسميات مختلفة لأن الظروف التي تسمح تجنيد المتطوعين متجذرة في الظروف الاقتصادية والحرمان والتهميش والاقصاء اضافة إلى استعصاء حل القضية الفلسطينية. ربما علينا اليوم أن نستبطن أكثر من أي وقت مضى بأن هناك من العرب والمسلمين من ما زال يرى بأن استعصاء حل القضية الفلسطينية يعود إلى انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل المتغطرسة والمتمردة، وبهذا المعنى يكتسب هذا التنظيم واي تنظيم يناصب الولايات المتحدة "شرعية" عند اتباعه، وتبرر لأتباعه الاستمرار في ممارسات أقل ما يمكن وصفها بأنها خارج التاريخ. وهذا الواقع يضعف من الانظمة العربية التي تتحالف مع الولايات المتحدة في التصدي لهذا التنظيم وغيره من التنظيمات الارهابية في المنطقة.

وتجدر الاشارة هنا إلى أن الحالة الأردنية أكثر تعقيدا، فهناك جماعات تبرر ما تقوم به داعش من "مقاومة" لأمريكا مع أن هذه التنظيمات لم تستهدف اسرائيل في يوم من الأيام! لذلك يمكن القول أن هناك حواضنا لهذا التنظيم وهو أمر لم يعد خافيا على الأردنيين. ويرى بعض المثقفين الأردنيين أن على الدولة الأردنية أن تتعامل مع هذه القضية بمنتهى الجدية وذلك عن طريق وضع مقاربة لا تستند فقط إلى الأمن وانما الى ادماج الشباب في العملية السياسية والاقتصادية حتى تسحب البساط من تحت اقدام كل تنظيم ظلامي يحاول استغلال الظروف السيئة التي تجعل من تجنيد الأردنيين امرا سهلا.

وللتأكيد اقول أن ما قامت به داعش بحق الطيار الأردني ليكشف عن سادية غير عادية لدى تنظيم ظلامي يتلذذ في تعذيب الرهائن والاسرى الأمر الذي يكشف وجها بعشا لتنظيم كاره للحياة. ويستلزم ذلك أن يهب المجتمع الدولي ويقف وقفة واحدة ضد أي تنظيم على هذا الشاكلة، لن تكتمل الوقفة إن اقتصرت على المقاربات الأمنية فقط، فالمطلوب أن ينتبه العالم إلى الظروف التي تنتج التطرف والعمل على معالجتها. وهنا في الأردن علينا جميعا أن ننتهز الحالة الوطنية الراقية التي تجلت في وحدة أردنية غير مسبوقة في العقود الاخيرة لاحداث التغييرات المناسبة لخلق ثقافة التسامح.
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير