هل سندخل حربا بريّة؟!
د. حسن البراري
جو 24 :
وكأنه كُتب علينا أن نتعاطى فقط مع ما تفتقت به مُخيّلة بعض المعارضين للحرب من خرافات وأساطير بشأن حادثة الشهيد معاذ الكساسبة، ففي الآونة الأخيرة قرأنا وسمعنا قصصا أقرب إلى الخيال منها إلى أي شيء آخر، وهي قصص روّجت لها قوى سياسية معروفة وأفراد وبعض الدخلاء والطارئين على مهنة التحليل الاستراتيجي، فهؤلاء لا هم لهم سوى التشكيك بالرواية الرسمية إذ لم يكلفوا أنفسهم عناء تقديم دليل ملموس واحد قابل للتحقق وهم يقدمون الحادثة بأسرها في سياق "المؤامرة" لجر الأردن إلى حرب برية!
هل تآمر الاردن الرسمي أو أي جهة ما على اسقاط الطائرة لتبرير شن حرب برية يكون الأردن فيها رأس الحربة، سؤال يطرحه البعض على وسائل الاتصال الاجتماعي وورد أيضا في بعض المقالات الركيكة التي تكثر فيها الفذلكة والانشاء ويغيب عنها أدنى فهم لمصالح الأردن وقدراته ومتطلبات أمنه الوطني. فعندما قرر الأردن الانضمام إلى قوات التحالف الدولي كان فهمه الرئيسي بأنه يخوض حربا استباقية بمشاركة قوى عالمية، فالرسميون في الأردن يقرأون المشهد الإقليمي بشكل مختلف عن قوى المعارضة، فبالنسبة لهم فإن كلفة الاشتباك مع التنظيم الارهابي المتوحش أقل بكثير من لو ترك التنظيم ينتصر في سوريا والعراق، بمعنى انه لا ضير في أن تكون الولايات المتحدة والقوى الأخرى في الخندق الأردني. وهنا أقترح على الأردن أن يطلب من الولايات المتحدة تزويده بطائرات من دون طيارين (Drones) حتى يلحق الأذى الكبير بإرهابي داعش دون أن يعرض طيارينا إلى مخاطر اضافية.
وعوة على بدء، نعيد طرح السؤال بشكل مختلف، هل سيشن الاردن حربا برية؟ قبل الاجابة على هذا السؤال أشير هنا إلى المقال التحليلي الذي كتبه الكاتب الأمريكي اليميني تشارلز كروثامر في صحيفة الواشنطن بوست بعنوان "هل للبربرية منطق" وفيه قدم كروثامر تحليلا دقيقا للمشهد الأردني، وبالرغم من أن المقال احتوى على اسقاطات استشراقيه غير صحيحة إلا أنه لامس المعضلة التي قد تواجه الأردن في قادم الأيام. ويقول كروثامر بأن الجبهة الاردنية التي اظهرت تماسكا كبيرا في الأيام الأخيرة ربما لن تستمر في نفس التماسك في الاشهر القادمة، فالأردن على حد تعبيره بلد وأن تميز بالاستقرار النسبي إلا أنه هش. وهناك منطق كبير في كلامه لأنه ليس بوسع الأردن أن يخوض حربا برية لأسباب لوجستية ولبعد الجبهة ولانتفاء المصلحة من ذلك، كما أنه من غير المعقول أن يطلب من الأردن أن يفتح جبهة برية في وقت ترفض فيه تركيا القيام بذلك. فتركيا هي البلد الوحيدة القادر على خوض حرب برية وتحقيق انتصار على داعش ، لكنها لا تفعل! والسبب في رفض تركيا هذه الحرب ليس لأنها على وفاق أو متواطئة مع داعش كما يذهب بعض المراقبين بل لأن الرئيس أوباما يرفض الطلب التركي بإسقاط نظام الأسد، فالرئيس أوباما ما زال يأمل في التوصل إلى صفقة شاملة مع إيران تكون هي تركته في الشرق الأوسط.
ووجه كروثامر نقدا قاسيا لاستراتيجية أوباما المترددة التي تهدف إلى اقامة تحالف عربي تقوده الولايات المتحدة من الخلف وتقدم له الدعم الجوي. لكن نقد كروثامر للرئيس أوباما وإن كان منطقيا إلا أنه يفترض بأن واشنطن معنية بزج الأردن في معركة برية، والراهن أن الاستراتيجية الامريكية للسنتين القادمتين والتي نشرت مؤخرا لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى حرب برية! فكيف إذن يستقيم الأمر؟! ثم هل لو طلبت الولايات المتحدة من الأردن الدخول في حرب برية سيوافق الأردن على هذا الطلب؟!
لنكن واضحين، لا تمتلك أي دولة عربية خيار المعركة البرية لأسباب موضوعية، والأردن ليس استثناءً! وأخال أن الأردن لن يدخل حربا بريةً حتى لو طُلب منه ذلك، فاستراتيجية الاردن في الحرب الاستباقية متوائمة وامكاناته العسكرية وتأخذ بالحسبان المشهد الداخلي.، كما أن الظروف الاقليمية التي تجعل من خيار الحرب البرية أمرا لا مفر منه لم تنضج وعلى الأرجح بأنها لن تنضج في الاشهر القليلة القادمة، وسيعد الاردن للألف قبل التفكير بالدخول إلى حرب برية، وإذا كان هذا الرأي هو صحيح – وأحسبه كذلك – فكيف يمكن فهم التفسير المؤامراتي بأن اسقاط الطائرة كانت لجر الأردن لحرب برية؟! وهل هو تفسير ناتج عن نقص المعلومات أم أنه نتاج سوء نية أو نكاية بالدولة الاردنية؟! ولماذا تغض بعض القوى السياسية النظر عن المطالبة بإدخال اصلاحات في التعليم لحماية الاجيال المستقبلية من الفكر المتطرف؟!








