الصبر الاستراتيجي
د. حسن البراري
جو 24 : وأخيرا تمخض الجبل فولد فأرا، فبعد تسارع وتيرة الاحدث في الشرق الأوسط وبعد أن أجج الرئيس أوباما الرأي العام العالمي وحث المجتمع الدولي على القيام بمسؤولياته لضمان السلم والاستقرار الدوليين وبعد أن قادت بلاده تحالفا دوليا للقضاء على تنظيم داعش كشف يوم الجمعة الماضي عن استراتيجية الأمن الوطني مطالبا بما ما اسماه ب "الصبر الاستراتيجي" ومحذرا من التوسع في التزامات الولايات المتحدة.
فالوثيقة المكوّنة من تسع وعشرين صفحة والتي ستكون بمثابة النبراس الذي يهتدي به البيت الأبيض في العامين القادمين أكدت على أن الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها لمواجهة التحديات الكونية مثل تهديدات شبكة الانترنت والتغير المناخي والارهاب، إلا ان الاستراتيجية الجديدة لم تأت بأي شيء جديد من شأنه أن يشير إلى تغيير في مسار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
لا جدال على أهمية الولايات المتحدة في النظام الدولي الحالي القائم على أحادية القطبية، لكن الرئيس أوباما لا يظهر القيادة المناسبة التي تناسب قدرات والتزامات الولايات المتحدة على مستوى النظام الدولي وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، فالجميع تقريبا في منطقتنا استطبن حدود تأثير واشنطن في الملف الفلسطيني الاسرائيلي وكذلك في الحرب الدائرة رحاها في سوريا منذ اربعة أعوام، والاستراتيجية الجديدة بهذا المعنى لم تأت بجديد!
عبثا يحاول الرئيس أوباما من خلال استراتيجيته الجديدة اقناعنا بأن بلاده تحت قيادته تمارس مسؤولياتها الدولية المترتبة عليها بحكم طبيعة وحقيقة انتشار القوى على مستوى النسق الدولي احادي القطبية، فالاستراتيجية الجديدة ربما ستكرس انطباعا عاما مفاده ان الرئيس أوباما يدير تراجع تأثير الولايات المتحدة في العالم وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت بروز لاعبين محليين واقليميين يتحدون الولايات المتحدة صبحة وعشية دون خوف، فالولايات المتحدة في عهد أوباما أصبحت قوة لا يخشاها أحد في الإقليم وربما يمكن القول بأنها أصبحت قوة أقل احتراما.
وفي هذا السياق انتقد صقور الحزب الجمهوري الاستراتيجية الجديدة بوصفها دليلا على ضعف الرئيس أوباما، ونشير هنا إلى الانتقاد اللاذع الذي جاء على لسان السناتور لينزي غراهام الذي يجادل بأن مثل هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى استقواء خصوم الولايات المتحدة مثل قادة داعش والنظام الايراني والرئيس بوتين الذي بدوره اعلن قبل أيام قليلة بأن بلاده لن تقبل بنظام عالمي أحادي القطبية.
فكلما شدّد الرئيس أوباما على صبره الاستراتيجي كلما أدى ذلك إلى قوة خصومة. ويضيف لينزي غراهام بأن المزيد من الصبر الاستراتيجي سيفضي إلى مزيد من الفشل في السياسة الخارجية الأمريكية.
الحق أن تأثير الولايات المتحدة في تراجع، فإيران على سبيل المثال مستمرة في مشروعها النووي، وحتى لو توصلت طهران إلى صفقة مع واشنطن فإنه على الارجح أن يتم الاعتراف بها كقوة اقليمية لها مصالح ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار وتحترم، وبطبيعة الحال فإن الاستقواء الإيراني لا يستند إلى قوة ذاتيه، فإيران مستنزفة واقتصادها متدهور، لكن الاستقواء الإيراني مرده إلى قراءة إيرانية تفيد بأن الولايات المتحدة تتخلى عن انيابها ولا تريد أن تتورط في مواجهات عسكرية لا مع إيران ولا مع غيرها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم فعالية السياسة الأمريكية وتردد أوباما في دعم الثورة السورية مكّن النظام من التقاط انفاسه وخفّض الكلفة المترتبة على تدخل كل من روسيا وحزب الله وإيران في سوريا. ونشير هنا إلى ما كتبته هيلاري كلينتون في كتابها "الخيارات الصعبة" حينما قالت بأن تردد أوباما وعدم دعمه للثوار السوريين في التوقيت المناسب ساهم في صعود داعش في سوريا والعراق.
طبعا، يتفهم المراقبون بأن العالم لم يعد كما كان في السابق، فهو أكثر تشابكا وأكثر تعقيدا ويحتاج إلى مقاربات لا تستند فقط إلى القوة العسكرية، لكن هناك فرق شاسع بين الواقع والانطباع، فالسياسة الامريكية في عهد الرئيس أوباما خلقت فراغا في مناطق كثيرة أهمها الشرق الأوسط، فلم تنجح أمريكا في ردع الخصوم ولا في طمأنة الحلفاء! لذلك يمكن القول أن العالم مع استراتيجية أوباما سيكون أقل أمناً.
وحتى تنقشع غمامة الوهم التي تغلغلت في عقول الكثير من حلفاء الولايات المتحدة فإنه لا يمكن الاعتماد على واشنطن في وقت الحاجة. ففي وقت كان الشرق الأوسط بحاجة إلى قيادة متوازنة من قبل قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، لم تنجح أمريكا في استغلال ما اسماه ريتشارد هاس في مطلع التسعينيات ب "اللحظة الامريكية في الشرق الأوسط". فما أن غادر كلينتون البيت الأبيض حتى تحولت أمريكا إلى جزء من مشاكل الشرق الأوسط بدلا من أن تكون جزءاً من الحل.
باختصار، عانت المنطقة كثيرا من جراء السياسات الأمريكية في العقد الأخيرة والتي تراوحت بين الفوضى الخلاقة لإعادة تركيب الشرق الاوسط والصبر الاستراتيجي، فلا ضير من أن تصبر الولايات المتحدة ما دام كل ضحايا داعش وضحايا النظام السوري وشركائه من إيرانيين وحزب الله هم من العرب والمسلمين! ففي خضم ما يجري مؤخرا من ارتفاع وتيرة الصراع وتشابك إن لم نقل تناقض التحالفات التكتيكية هنا وهناك، لا يمكن لاستراتيجية الصير أن تفض إلا لمزيد من الضحايا الأبرياء.
فالوثيقة المكوّنة من تسع وعشرين صفحة والتي ستكون بمثابة النبراس الذي يهتدي به البيت الأبيض في العامين القادمين أكدت على أن الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها لمواجهة التحديات الكونية مثل تهديدات شبكة الانترنت والتغير المناخي والارهاب، إلا ان الاستراتيجية الجديدة لم تأت بأي شيء جديد من شأنه أن يشير إلى تغيير في مسار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
لا جدال على أهمية الولايات المتحدة في النظام الدولي الحالي القائم على أحادية القطبية، لكن الرئيس أوباما لا يظهر القيادة المناسبة التي تناسب قدرات والتزامات الولايات المتحدة على مستوى النظام الدولي وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، فالجميع تقريبا في منطقتنا استطبن حدود تأثير واشنطن في الملف الفلسطيني الاسرائيلي وكذلك في الحرب الدائرة رحاها في سوريا منذ اربعة أعوام، والاستراتيجية الجديدة بهذا المعنى لم تأت بجديد!
عبثا يحاول الرئيس أوباما من خلال استراتيجيته الجديدة اقناعنا بأن بلاده تحت قيادته تمارس مسؤولياتها الدولية المترتبة عليها بحكم طبيعة وحقيقة انتشار القوى على مستوى النسق الدولي احادي القطبية، فالاستراتيجية الجديدة ربما ستكرس انطباعا عاما مفاده ان الرئيس أوباما يدير تراجع تأثير الولايات المتحدة في العالم وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت بروز لاعبين محليين واقليميين يتحدون الولايات المتحدة صبحة وعشية دون خوف، فالولايات المتحدة في عهد أوباما أصبحت قوة لا يخشاها أحد في الإقليم وربما يمكن القول بأنها أصبحت قوة أقل احتراما.
وفي هذا السياق انتقد صقور الحزب الجمهوري الاستراتيجية الجديدة بوصفها دليلا على ضعف الرئيس أوباما، ونشير هنا إلى الانتقاد اللاذع الذي جاء على لسان السناتور لينزي غراهام الذي يجادل بأن مثل هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى استقواء خصوم الولايات المتحدة مثل قادة داعش والنظام الايراني والرئيس بوتين الذي بدوره اعلن قبل أيام قليلة بأن بلاده لن تقبل بنظام عالمي أحادي القطبية.
فكلما شدّد الرئيس أوباما على صبره الاستراتيجي كلما أدى ذلك إلى قوة خصومة. ويضيف لينزي غراهام بأن المزيد من الصبر الاستراتيجي سيفضي إلى مزيد من الفشل في السياسة الخارجية الأمريكية.
الحق أن تأثير الولايات المتحدة في تراجع، فإيران على سبيل المثال مستمرة في مشروعها النووي، وحتى لو توصلت طهران إلى صفقة مع واشنطن فإنه على الارجح أن يتم الاعتراف بها كقوة اقليمية لها مصالح ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار وتحترم، وبطبيعة الحال فإن الاستقواء الإيراني لا يستند إلى قوة ذاتيه، فإيران مستنزفة واقتصادها متدهور، لكن الاستقواء الإيراني مرده إلى قراءة إيرانية تفيد بأن الولايات المتحدة تتخلى عن انيابها ولا تريد أن تتورط في مواجهات عسكرية لا مع إيران ولا مع غيرها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم فعالية السياسة الأمريكية وتردد أوباما في دعم الثورة السورية مكّن النظام من التقاط انفاسه وخفّض الكلفة المترتبة على تدخل كل من روسيا وحزب الله وإيران في سوريا. ونشير هنا إلى ما كتبته هيلاري كلينتون في كتابها "الخيارات الصعبة" حينما قالت بأن تردد أوباما وعدم دعمه للثوار السوريين في التوقيت المناسب ساهم في صعود داعش في سوريا والعراق.
طبعا، يتفهم المراقبون بأن العالم لم يعد كما كان في السابق، فهو أكثر تشابكا وأكثر تعقيدا ويحتاج إلى مقاربات لا تستند فقط إلى القوة العسكرية، لكن هناك فرق شاسع بين الواقع والانطباع، فالسياسة الامريكية في عهد الرئيس أوباما خلقت فراغا في مناطق كثيرة أهمها الشرق الأوسط، فلم تنجح أمريكا في ردع الخصوم ولا في طمأنة الحلفاء! لذلك يمكن القول أن العالم مع استراتيجية أوباما سيكون أقل أمناً.
وحتى تنقشع غمامة الوهم التي تغلغلت في عقول الكثير من حلفاء الولايات المتحدة فإنه لا يمكن الاعتماد على واشنطن في وقت الحاجة. ففي وقت كان الشرق الأوسط بحاجة إلى قيادة متوازنة من قبل قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، لم تنجح أمريكا في استغلال ما اسماه ريتشارد هاس في مطلع التسعينيات ب "اللحظة الامريكية في الشرق الأوسط". فما أن غادر كلينتون البيت الأبيض حتى تحولت أمريكا إلى جزء من مشاكل الشرق الأوسط بدلا من أن تكون جزءاً من الحل.
باختصار، عانت المنطقة كثيرا من جراء السياسات الأمريكية في العقد الأخيرة والتي تراوحت بين الفوضى الخلاقة لإعادة تركيب الشرق الاوسط والصبر الاستراتيجي، فلا ضير من أن تصبر الولايات المتحدة ما دام كل ضحايا داعش وضحايا النظام السوري وشركائه من إيرانيين وحزب الله هم من العرب والمسلمين! ففي خضم ما يجري مؤخرا من ارتفاع وتيرة الصراع وتشابك إن لم نقل تناقض التحالفات التكتيكية هنا وهناك، لا يمكن لاستراتيجية الصير أن تفض إلا لمزيد من الضحايا الأبرياء.








