لم يدر في خلد الغالبية العظمى من المراقبين والمحللين أن تصل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إلى نقطة متدنية يتحدى فيها رئيس وزراء إسرائيلي رئيس دولة عظمى قدمت كل ما في وسعها لحماية المشروع الصهيوني، والحق أنه لولا الدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي والدبلوماسي لإسرائيل لما تمكنت الأخيرة من الصمود وسط محيط من العداء لا يرى في إسرائيل وبقائها وهيمنتها إلا ما يذكر بضعف وهشاشة تكوين وانعدام الخيارات العربية.
لم يساور نتنياهو الشك في أنه بإصراره على إلقاء خطابه أمام الكونغرس اليوم الثلاثاء رغما عن الرئيس أوباما إنما يضع العلاقات "الخاصة" بين إسرائيل والولايات المتحدة على المحك وربما يعرضها لانتكاسة غير ضرورية من وجهة نظر العديدين من المتعاطفين مع إسرائيل في الولايات المتحدة.
شخصيا، لست مقتنعا بما يردده البعض بأن نتنياهو يرتكب حماقة، فخطوته هذه محسوبة بدقة وربما علينا البحث في السياق العام الذي أفضى إلى هذه الخطوة والاسباب التي تقف خلف نبرة التحدي في مواقف نتنياهو تجاه أوباما. هناك تفسيران يتكاملان لفهم الخطوة الإسرائيلية المستفزة هما: الهاجس الأمني أو التذرع به لضرورة السياسة الإسرائيلية الداخلية.
الهاجس الأمني
شأنه شأن أي سياسي يميني في إسرائيل، تُحرّك نتنياهو هواجس الخوف من "الاغيار"، فإسرائيل ترتعد خوفا من أمرين مترابطين: النوايا الإيرانية إن تمكنت طهران من تطوير خيار نووي واستماتة الرئيس أوباما للتوصل إلى اتفاق مع إيران حتى يكون له تركة في الشرق الأوسط. طبعا، لا يضير نتنياهو أن يتمكن أوباما من ترك بصمته في الشرق الأوسط لكن على أن تنتظم هذه التركة مع دقات ساعة تل أبيب، وأي اتفاقية مع إيران تسمح لها في قادم الأيام بتطوير سلاح نووي هي ليست فقط اتفاقية سيئة وإنما اتفاقية تستلزم أن يقوم نتنياهو ما بوسعه لتخريبها حتى لو أدى ذلك إلى ضرب بنية العلاقة مع الولايات المتحدة. بمعنى آخر، يرى نتنياهو بأن ثمة ما يبرر لتخريب العلاقات مع واشنطن عندما يكون الرئيس أوباما رئيسا ضعيفا في الشأن الخارجي وفي مسائل الأمن القومي وهو بضعفة وسذاجته إنما يعرض أمن إسرائيل للخطر. فتحدي أوباما لم يأتي هكذا جزافا بل مغامرة محسوبة تهدف إلى حشر أوباما في الزاوية وتهدف إلى تأليب الكونغرس عليه وهو بذلك ينحاز علنا للحزب الجمهوري. ربما هذه من المرات القليلة لكنها الأكثر وضوحا التي تتدخل فيها إسرائيل في الشأن الأمريكي المحلي بشكل علني.
صحيح أن الرئيس أوباما ليس من دون حلفاء في المواجهة مع نتنياهو، لكن الصحيح أيضا أن نتنياهو لا يعمل هكذا لوحده دون تنسيق مع قوى على الساحة الأمريكية، فهناك الحزب الجمهوري وبعض الاعلاميين الذين يتحمسون بشدة لتقويض جهود أوباما مع إيران، وليس من قبيل الصدفة أن تسرب احدى كبريات الصحف الأمريكية (الواشنطن بوست) خبرا عن أن من اغتال عماد مغنية في عام 2008 هو وكالة الاستخبارات الأمريكية وليس إسرائيل، وهي بذلك انما تعطي الجناح الإيراني المعارض لاتفاقية مع واشنطن ذخيرة اضافية لدفع إيران إلى التشدد لعل ذلك يقلل من فرص التوصل إلى صفقة.
وفي العمق هناك خلافات استراتيجية جذرية بين نتنياهو وأوباما، فالأخير يريد أن يخرج بلاده من دائرة العنف في الشرق الأوسط والاستناد إلى حروب الوكالة مع تدخل جوي أمريكي وقت اللزوم في حين يرى نتنياهو في ذلك انسحابا أمريكيا من المنطقة من شأنه أن يحدث تغييرا في معادلة التوازن الاقليمي لصالح ترتيب جديد يحد من هيمنة إسرائيل ويقلل من قوة الردع التي طالما وفرت الحماية لإسرائيل من أي تفكير جدي لإزالة مشروعها الاستعماري في الضفة والقدس بالوسائل العسكرية. وبهذا المعنى فإن نتنياهو معني بالدرجة الأولى بمنع تبلور نظام جديد في الاقليم ينهي هيمنة بلاده.
مشكلة نتنياهو يلخصها المثل الانجليزي القائل: "أنت لا تستطيع أن تأكل الكعكة وتحتفظ بها". فرفض نتنياهو لمنطق السلام مع الفلسطينيين اضعف من قوة الولايات المتحدة في التعامل مع ملفات أخرى هامة في الاقليم، بمعنى أن نتنياهو يمتلك تصورا قائما على الاحتفاظ بالأرض الفلسطينية ومنع تغيير موازين القوى في الإقليم وهذا لا يمكن أن يتم دون مساعدة أمريكية وهو ما لا يقوم به أوباما. ولا يخفى على المراقب أن النظام الاقليمي الذي أمّن الهيمنة الإسرائيلية يتداعى وأن أوباما لا يفعل شيئا لذلك جاءت ردة نتنياهو بهذا الشكل الصادم للإدارة، وكأن لسان حال نتنياهو يقول: فلتذهب العلاقات الخاصة إلى الجحيم، فبعد أقل من سنتين من الآن سيكون هناك رئيس جديد لأمريكا عندها يمكن اصلاح ذات البين بين الحليفين!
الانتخابات الإسرائيلية
أيام تفصلنا عن الانتخابات الإسرائيلية التي يسعى نتنياهو فيها إلى الحصول على أكبر عدد من الأصوات، وبالتالي نجده يتذرع بإيران والخلاف مع الولايات المتحدة حتى يظهر بمظهر الزعيم القوي الذي يتحدى الجميع لاستباق الاخطار والحفاظ على أمن إسرائيل. وبهذا المعنى، ينبغي أن لا يغيب عن البال أن نتنياهو مقدم على انتخابات ليست مضمونة كما كانت سابقتها، لذلك فإن المعارضة الإسرائيلية ترغب في توظيف حقيقة أن نتنياهو يلعب على عامل الخوف ويخاطر بالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنهم أي المعارضة سيجدون من الصعوبة بمكان التلاعب بالجمهور الإسرائيلي الذي تبلغ نسبة التأييد فيه لأوباما وسياساته هامش الخطأ في استطلاعات الرأي العام، فنتنياهو نجح في موضعة نفسه في التيار السائد في إسرائيل في القضية الأهم وهي الموقف من البرنامج النووي الإيراني.
وهذا الوضع يعزز من الفرضية التي قدمتها في بداية المقال والتي تفيد بأن نتنياهو لم يقدم على الخطوة جزافا، فهي محسوبة بدقة وتأتي ضمن استراتيجية أعرض تهدف إلى التنسيق بين السياسة الإسرائيلية الداخلية والسياسة الأمريكية الداخلية، وهو يأمل بأن خطوته هذه ستعيد تشكيل الجدل والنقاش حول إسرائيل في الولايات المتحدة بشكل يرفع من فرصه في الانتخابات. طبعا هناك مخاطرة أخرى تتمحور حول ضرب الاجماع العابر للحزبين في أمريكا حول إسرائيل!
وعلى نحو لافت، يستهدف نتنياهو الناخبين الإسرائيليين الذين يتماهون مع اليمين المتطرف في إسرائيل والذين تبلغ نستبهم 30% ممن يحق لهم التصويت، ولا بد طبعا من الاشارة إلى أن نسبة كبيرة منهم تؤيد حزب البيت اليهودي بزعامة نفتالي بينيت. وهذا الجمهور من الناخبين يتوجس دائما من الليبراليين الأمريكان (أوباما والحزب الديمقراطي) ويؤيدون وقوف نتنياهو بوجه أوباما حتى لو كان ثمن ذلك توجيه ضربة لإيران دون تنسيق مع إدارة أوباما.
في النهاية، ربما من المبكر الحكم كيف يمكن أن يستفيد نتنياهو من هذه المواجهة لأوباما، فالأخير يصر على أنه ملتزم بمبدأ ال prevention أي منع إيران من الحصول على قدرة انتاج الأسلحة النووية وأن سياسته في فرض عقوبات ركعت إيران هي العامل الذي دفع إيران للاستجابة وليس التلويح بالخيارات العسكرية. كما أن البيت الأبيض استبق الخطاب بتسريب بعض بنود الاتفاق التي تقوّض من مصداقية محتوى خطاب نتنياهو لمنعه من حشد وتعبئة الغالبية في الكونغرس لمنع أوباما من الاستمرار في محادثاته مع الإيرانيين. أما انتخابيا فإن نتنياهو سيحصل على الكثير من اصوات اليمين المتطرف، لكنه بالمقابل سيخسر اصواتا على يمين المركز تولي أهمية كبيرة للحفاظ على الدعم العابر للحزبين في أمريكا لإسرائيل، وترى بأن نتنياهو يعبث بها فقط من أجل الانتخابات.
