jo24_banner
jo24_banner

حتى لا يبدو الأمر وكأنه مؤامرة!

د. حسن البراري
جو 24 : حسنا فعل الصديق العزيز ماهر أبو طير عندما كتب مقالا تحدث فيه عن سيناريو توسع الأردن شرقا، ولعل الاستاذ أبو طير الذي بدوره لا يتبنى الفكرة يكشف عن ما يعتمل في عقول بعض صناع القرار في الغرب ومن يمتثل مع رؤاهم في منطقتنا. قد يصف البعض مقال ماهر ابو طير بأنه بالون اختبار وأنا، طبعا لا أعتقد أن "أبو طير" كتب بهذا المعنى وإن كان مقاله في نهاية الأمر يصلح لأن يكون بالونا للاختبار وربما يفتح النقاش العام على مصراعيه حول فكرة من شأن ترجمتها على أرض الواقع أن ينهي الأردن بالشكل الذي نعرفه اليوم.

وبما أن الملك عبدالله الثاني صانع القرار الأهم في الأردن لم يقل لا تلميحا ولا تصريحا بأن الأردن بصدد التوسع شرقا في حال حانت فرصة، يبقى الموضوع برمته رهن تكهنات، ومؤخرا التقيت بواحد من أهم صناع القرار في الأردن في فترة خلت أسرّ لي أن هناك من الرسميين من يفكر مليّا في هكذا سيناريو. ووفقا لمحدثي، فإن التغيرات التي تعصف بالإقليم وانهيار نظام سايكس بيكو وارهاصات بروز نظام اقليمي مختلف تماما ربما يقدم فرصة للأردن للتوسع شرقا.

وقبل أن يكوّن الواحد منا موقفا واضحا من فكرة توسع الأردن شرقا، وحتى لا يبدو الأمر بكليته وكأنه مؤامرة تحاك ضد الأردن أو لنقل ضد شعب الأردن فمن الأحرى أن يقول لنا من يؤمن بهذا الفكرة كيف سيعود هذا التوسع في حال تحققه على الأردن والأردنيين بالفائدة، فحتى لو تدخل الجيش الأردني لضرورات حرب برية قد تفرض في قادم الأيام وسيطر على هذه المناطق على غرار تدخله في فلسطين عام 1948، فهل يعني ذلك بأن على الأردن أن يضم ارضا شاسعة وسكان لا يربطنا بهم أي رابط حقيقي حتى لو اصطفت العشائر السنية وطالبت بالانضمام لبلدنا؟ باختصار نريد أن نسأل سؤالا واحدا واتمنى أن تكون هناك اجابة فيها درجة عالية من الشفافية: ماذا سيجني الأردن من التوسع شرقا أو شمالا؟! نفهم جيدا ضرورات ديكتاتورية الموقع الجيوسياسي لكن نفهم أكثر حقنا بأن يكون قرارنا سياديا يخدم مصالح الأردن أولا وقبل أي طرف آخر في الإقليم. فالأردن المتماسك لا يبني سياسة الخارجية بناء على ردات الفعل وانما ينبغي ان يمتلك زمام المبادرة وهو قادر على ذلك.

هنا أود أن أطرح سيناريو قد لا يتحقق ولكن يجب أن يؤخذ بالحسبان ونحن نصوغ سياسة خارجية لا نملك القدرة على التحكم في متغيراتها خارج حدود بلدنا. من خلال المتابعة الحثيثة لما يجري غرب النهر من انزياح المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين وانهيار المجتمع السياسي الفلسطيني الذي لم يعد قادرا على فعل أي شيء، أصبح الحديث عن حل الدولتين بالمعنى الذي يحافظ على أمن الأردن والذي يمنع من تورط الأردن غرب النهر لا معنى له، فلم يبق للفلسطينيين من الأرض ما يمكنهم بناء دولة مستقلة. لذلك وفي وقت اخفق فيه الجانب الأردني وضع تصورات بديلة نجد ان الجانب الإسرائيلي يعج بالأفكار ومنها الحل الاقليمي الذي يتطلب من الأردن أن يتحد مع ما تبقى من اشلاء الضفة الغربية على أن تقوم دولة فلسطينية في غزة. لن أعيد طروحات غيورا ايلاند الذي هو بدوره لا ينطق عن الهوى، ولكن قدرة الأردن على الصمود أمام هكذا سيناريو تتطلب منعة داخلية لم تعد موجودة، فالوضع الاقتصادي ضرب بنية المجتمع وهذا يجعلنا نطرح السؤالين التاليين: لماذا الاصرار على الدين الخارجي ولماذا ما زال بعض الاشخاص المتماهين تماما مع مواقف الولايات المتحدة في موقع المسؤولية؟ فهل يفرض بعضهم على الأردن؟

في السابق برزت مدرسة سياسية في الأردن كان أبرز رموزها باسم عوض الله لكنها ما زالت مستمرة في السيطرة على مقاليد الأمور ترى أن حل مشاكل الأردن الاقتصادية لا يمكن ان يتم إلا بحل اقليمي غرب النهر، وهذا ينسجم عمليا مع ما تريده إسرائيل والكثير من الدوائر المؤثرة في الولايات المتحدة، فهناك تشجيع غير عاد وتسهيل لأن يحصل الأردن على القروض والغرب يعرف ونحن نعرف بأن لا قبل لنا بسداد هذه الديون، اذن لماذا الاصرار على الاستدانة التي بلغت ما يقارب 30 مليار دولا بعد أن كانت في بداية الألفية ما يقارب من 6 مليارات دولار؟! ولماذا الاصرار على بعض الشخصيات وتعبئة الحكومات المتعاقبة بوزراء ليس لديهم حس استراتيجي ولو توفر لهم الحد الادنى منه لانحازوا لمصالحهم الانية في الامتثال مع مراكز القوى وعلى طريقة "حط رأسك بين الروس"؟ كيف يمكن لهكذا حكومات من مقاومة أي مشروع متعلق بحل اقليمي غرب النهر؟!

وحتى يكتمل السيناريو سأفرض أن توسع الأردن شرقا لن يتم دون موقف دولي مساند، وهنا لا يمكن لهذه الدولة الموسعة أن تعيش على الامكانات والمصادر الحالية، فلا بد هنا من الحصول على تعويضات لقاء توطين اللاجئين ولا بد من اكتشاف البترول، وهو أمر يرى أردنيون كثر بأن اكتشافه يخضع لاعتبارات سياسية. وستفعل التعويضات والبترول فعلتهما إذ ستتحول الاجزاء الشرقية من الأردن وغرب العراق إلى ماغنت جديد (أي منطقة جذب جديدة). ولو افترضنا أن الاردن سيضم الأشلاء المتبقية من الضفة الغربية والسكان، عندها سيهاجر السكان شيئا فشيئا على منطقة الماغنت الجديدة، وسيتم تسهيل هذه العملية كما تم تسهيل انتقال الفلسطينيين الى الكويت عندما اصبحت الاخيرة نقطة ماغنت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وإذا ما تم افراغ الضفة الغربية من سكانها ربما عندها تشعر اسرائيل بأنه فرصتها التاريخية قد دنت لاستكمال مشروعها التوسعي على حساب فلسطين، وهكذا تكون الدولة الفلسطينية معزولة في غزة وشعب الضفة والقدس في منطقة الماغنت الجديدة.

مرة ثانية، ما سبق هو سيناريو علينا التفكير به وأخذه بعين الاعتبار قبل أن نورط انفسنا في توسع غير ضروري بوعي أن من دون وعي. فالخطان يسيران معا: توسع الاردن شرقا توطئة لتهجير الفلسطيني الى منطقة جذب جديدة. وفي النهاية لن أتوقف في هذه العجالة عند تعقيدات الهوية وديكتاتورية الجغرافيا وماذا سيحصل لو خسرنا غرب العراق وبقي سكانه معنا!

وعودة على بدء أقول أن التبريرات الاستراتيجية التي وظفها الصديق ماهر ابو طير من أن توسيع المملكة يقطع الطريق على الهلال الشيعي هي تبريرات قد تخلق سابقة خطيرة، فالجانب الاسرائيلي يمكن أن يستخدم نفس المنطق ويضغط على الأردن لقبول الحل الاقليمي (أي الخيار الأردني أو لنكن أكثر صراحة ونقول الوطن البديل بشكله النهائي).
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير