وهم حل الدولة الواحدة
د. حسن البراري
جو 24 : يخطئ العرب مرة أخرى إن ظنوا أن تراجع الجانب الإسرائيلي عن فكرة حل الدولتين سيفضي في نهاية الأمر إلى حل الدولة الواحدة ثنائية القومية والتي سيتمتع فيها الفلسطينيون بأغلبية ديموغرافية على حساب اليهود، فالجانب الإسرائيلي لا يعوزه الذكاء ويعرف جيدا أن دولة ثنائية القومية تعني نهاية الحلم الصهيوني في إقامة دولة يهودية وديمقراطية، وبالتالي لن يُسمح لهكذا سيناريو أن يتحقق، فبالنسبة للإسرائيليين فإن بديل حل الدولتين ليس حل الدولة الواحدة وإنما حل إقليمي مختلف سيكون في نهاية المطاف على حساب الأردن. لذلك أستغرب من سذاجة البعض الذين اعتبروا أن تراجع نتنياهو عن حل الدولتين إنما سيفضي إلى نتيجة هي أفضل بالنسبة للفلسطينيين.
دعوني أوضح ما أرمي إليه بشيء من التفصيل، في عام 2000 اجتمعت نخب إسرائيلية من كافة القطاعات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية في مؤتمر بمدينة هرتسليا الواقعة شمال تل أبيب وفيه قدم بروفسور الديموغرافيا الإسرائيلي المعروف ارنون سوفير ورقة بيّن فيها أن اليهود سيغدون أقلية بحلول عام 2020، وجادل بأن الحل الوحيد لضمان دولة يهودية ديمقراطية هو بالانفصال عن الفلسطينيين، وبالتالي اقترح أن تنسحب إسرائيل من بعض المناطق لضمان يهودية وديمقراطية الدولة. وفي ذلك المؤتمر الذي جاء تحت عنوان "المنعة الوطنية" أكدت النخب الإسرائيلية على تعريف إسرائيل لنفسها بأنها دولة يهودية ديمقراطية. وهذا التعريف الذي رافقه حس إسرائيلي بخطورة الوضع الديموغرافي هو من مهد الطريق لفكرة انسحاب إسرائيلي للانفصال عن الفلسطينيين وليس لمنحهم حق تقرير المصير، بمعنى أن إسرائيل تبحث عن حل لمعضلتها الديموغرافية، وبالتالي جاءت فكرة حل الدولتين كحل لكنه ليس الحل الوحيد.
وعلى نحو لا يخلو من البساطة في التكفير ظن الكثير من المثقفين العرب بأن انعدام فرص حل الدولتين (لم يعد هناك مجال لهكذا حل إلا إذ تم تفكيك تجمعات استيطانية كبيرة وهو أمر مكلف سياسيا لا يجرؤ أي رئيس حكومة على القيام به) سيمهد الطريق لوضع يستفيد منه الفلسطينيون أكثر من حل الدولتين، واستندوا في طرحهم هذا إلى مقولتين هما: أولا، سيكون عدد الفلسطينيين في البقعة الجغرافية من النهر إلى البحر أكثر من اليهود وبالتالي ستكون هناك دولة واحدة ثنائية القومية. ثانيا، سيكون أمام إسرائيل في هذه الحالة خياران لا ثالث لهما وهما: أما القبول بدولة ديمقراطية ثنائية القومية أو اختيار صيغة على طراز نظام الابرتهايد وهي صيغة مهزومة أخلاقيا لن يقبل بها العالم.
وعلى نحو لافت استبعد المثقفون العرب المتحمسون لخيار الدولة الواحدة أن بإمكان إسرائيل التصرف بشكل مغاير عن طريق التطهير العرقي أو الترانسفير حتى لا يصبح الفلسطينيون أكثرية. مصدر هذا اليقين هو أن الشعب الفلسطيني تعلم من تجارب الماضي وبالتالي لن يترك أرضه في حال اندلاع حرب إقليمية، ثم إن إسرائيل لن تتمكن من تكرار تجاربها بطرد الفلسطينيين لأن المجتمع الدولي لن يسمح بذلك. هذا اليقين لا يصمد أمام تاريخ الصهيونية وفكرها المستند إلى التطهير العرقي، أي أنه لا رادع أخلاقيا يمكن أن يردع الصهاينة إن حانت فرصة الطرد مرة أخرى، وردة فعل المجتمع الدولي لن تكون بمستوى الحدث إن تم، ثانيا، في أي حرب إقليمية يكون هناك لاجئون بصرف النظر عن حجم التضحيات والقدرة على الصمود، واسترعى انتباهي مؤخرا قيام عدد من المؤرخين الإسرائيليين بإلقاء اللوم على بن غوريون لأنه لم يطرد كل الفلسطينيين من الأراضي التي وقعت تحت سيطرتهم في حرب عام 1948.
فعندما يتنصل نتنياهو من خيار حل الدولتين فهو يعرف جيدا أن هناك سيناريو آخر كُتب عنه أكثر من مرة، ولعل دراسة غيورا ايلاند التي نشرت في جامعة بار ايلان الإسرائيلية والتي نشرت أيضا من قبل معهد واشنطن تصلح لنعرف كيف يفكر الطرف الآخر، فوفقا لهذا التفكير سيكون هنالك حل إقليمي وعودة للخيار الأردني على اعتبار أن الأردن شريك لا يمكن له أن يقول لا، وبخاصة مع ارتفاع مديونيته والتلويح بجزرة سداد المديونية وجلب استثمارات والحصول على تعويضات. فما تبقى من أشلاء الضفة الغربية تعود للأردن مع الفلسطينيين، أي ترانسفير سياسي.
يخطئ العرب مرة أخرى أن اقتنعوا بالتفكير الساذج الذي يفيد بأن ما عجز عنه الجانب العربي في تحقيقه في ميادين المعارك وفي المفاوضات سيتحقق بكل سهولة من خلال تعطيل حل الدولتين وإلا لماذا قدّم العرب مبادرتهم للسلام؟! لماذا لو كان هذا المنطق صحيحا لم يضع العرب العراقيل أمام حل الدولتين إلى أن يتغير الميزان الديموغرافي ويزيد الاستيطان ليتعذر الحل ثم تبدأ المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة ثنائية القومية وليس دولة يهودية؟
أتمنى على مطلقي حملة لننتظر حل الدولة الواحدة أن يقولوا لنا ما هي الضمانات بان إسرائيل لن تبتدع ضربا من التطهير العرقي وتجري تهجيرا جماعيا قسريا كان أم طوعيا عبر حلول إقليمية تكون بعض الأطراف العربية جزءا منها؟! وهذا التحليل يقودني للتحذير من مغبة الاستخفاف بانهيار فرص حل الدولتين، فحل الدولة الواحدة ليس خيارا بالنسبة للإسرائيليين ولا يمكن الركون إلى المجتمع الدولي أو أخلاق الصهاينة لمنع نكبة أخرى يكون ضحيتها ما تبقى من الشعب الفلسطيني في أرضه. والراهن أن حالة العرب بعد الربيع العربي وارتفاع حدة الانكشاف الاستراتيجي للمنطقة قد تغري إسرائيل التي لا تشعر بخطر من العرب للقيام بأمور ما كان من الممكن تخيلها قبل سنوات قليلة
دعوني أوضح ما أرمي إليه بشيء من التفصيل، في عام 2000 اجتمعت نخب إسرائيلية من كافة القطاعات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية في مؤتمر بمدينة هرتسليا الواقعة شمال تل أبيب وفيه قدم بروفسور الديموغرافيا الإسرائيلي المعروف ارنون سوفير ورقة بيّن فيها أن اليهود سيغدون أقلية بحلول عام 2020، وجادل بأن الحل الوحيد لضمان دولة يهودية ديمقراطية هو بالانفصال عن الفلسطينيين، وبالتالي اقترح أن تنسحب إسرائيل من بعض المناطق لضمان يهودية وديمقراطية الدولة. وفي ذلك المؤتمر الذي جاء تحت عنوان "المنعة الوطنية" أكدت النخب الإسرائيلية على تعريف إسرائيل لنفسها بأنها دولة يهودية ديمقراطية. وهذا التعريف الذي رافقه حس إسرائيلي بخطورة الوضع الديموغرافي هو من مهد الطريق لفكرة انسحاب إسرائيلي للانفصال عن الفلسطينيين وليس لمنحهم حق تقرير المصير، بمعنى أن إسرائيل تبحث عن حل لمعضلتها الديموغرافية، وبالتالي جاءت فكرة حل الدولتين كحل لكنه ليس الحل الوحيد.
وعلى نحو لا يخلو من البساطة في التكفير ظن الكثير من المثقفين العرب بأن انعدام فرص حل الدولتين (لم يعد هناك مجال لهكذا حل إلا إذ تم تفكيك تجمعات استيطانية كبيرة وهو أمر مكلف سياسيا لا يجرؤ أي رئيس حكومة على القيام به) سيمهد الطريق لوضع يستفيد منه الفلسطينيون أكثر من حل الدولتين، واستندوا في طرحهم هذا إلى مقولتين هما: أولا، سيكون عدد الفلسطينيين في البقعة الجغرافية من النهر إلى البحر أكثر من اليهود وبالتالي ستكون هناك دولة واحدة ثنائية القومية. ثانيا، سيكون أمام إسرائيل في هذه الحالة خياران لا ثالث لهما وهما: أما القبول بدولة ديمقراطية ثنائية القومية أو اختيار صيغة على طراز نظام الابرتهايد وهي صيغة مهزومة أخلاقيا لن يقبل بها العالم.
وعلى نحو لافت استبعد المثقفون العرب المتحمسون لخيار الدولة الواحدة أن بإمكان إسرائيل التصرف بشكل مغاير عن طريق التطهير العرقي أو الترانسفير حتى لا يصبح الفلسطينيون أكثرية. مصدر هذا اليقين هو أن الشعب الفلسطيني تعلم من تجارب الماضي وبالتالي لن يترك أرضه في حال اندلاع حرب إقليمية، ثم إن إسرائيل لن تتمكن من تكرار تجاربها بطرد الفلسطينيين لأن المجتمع الدولي لن يسمح بذلك. هذا اليقين لا يصمد أمام تاريخ الصهيونية وفكرها المستند إلى التطهير العرقي، أي أنه لا رادع أخلاقيا يمكن أن يردع الصهاينة إن حانت فرصة الطرد مرة أخرى، وردة فعل المجتمع الدولي لن تكون بمستوى الحدث إن تم، ثانيا، في أي حرب إقليمية يكون هناك لاجئون بصرف النظر عن حجم التضحيات والقدرة على الصمود، واسترعى انتباهي مؤخرا قيام عدد من المؤرخين الإسرائيليين بإلقاء اللوم على بن غوريون لأنه لم يطرد كل الفلسطينيين من الأراضي التي وقعت تحت سيطرتهم في حرب عام 1948.
فعندما يتنصل نتنياهو من خيار حل الدولتين فهو يعرف جيدا أن هناك سيناريو آخر كُتب عنه أكثر من مرة، ولعل دراسة غيورا ايلاند التي نشرت في جامعة بار ايلان الإسرائيلية والتي نشرت أيضا من قبل معهد واشنطن تصلح لنعرف كيف يفكر الطرف الآخر، فوفقا لهذا التفكير سيكون هنالك حل إقليمي وعودة للخيار الأردني على اعتبار أن الأردن شريك لا يمكن له أن يقول لا، وبخاصة مع ارتفاع مديونيته والتلويح بجزرة سداد المديونية وجلب استثمارات والحصول على تعويضات. فما تبقى من أشلاء الضفة الغربية تعود للأردن مع الفلسطينيين، أي ترانسفير سياسي.
يخطئ العرب مرة أخرى أن اقتنعوا بالتفكير الساذج الذي يفيد بأن ما عجز عنه الجانب العربي في تحقيقه في ميادين المعارك وفي المفاوضات سيتحقق بكل سهولة من خلال تعطيل حل الدولتين وإلا لماذا قدّم العرب مبادرتهم للسلام؟! لماذا لو كان هذا المنطق صحيحا لم يضع العرب العراقيل أمام حل الدولتين إلى أن يتغير الميزان الديموغرافي ويزيد الاستيطان ليتعذر الحل ثم تبدأ المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة ثنائية القومية وليس دولة يهودية؟
أتمنى على مطلقي حملة لننتظر حل الدولة الواحدة أن يقولوا لنا ما هي الضمانات بان إسرائيل لن تبتدع ضربا من التطهير العرقي وتجري تهجيرا جماعيا قسريا كان أم طوعيا عبر حلول إقليمية تكون بعض الأطراف العربية جزءا منها؟! وهذا التحليل يقودني للتحذير من مغبة الاستخفاف بانهيار فرص حل الدولتين، فحل الدولة الواحدة ليس خيارا بالنسبة للإسرائيليين ولا يمكن الركون إلى المجتمع الدولي أو أخلاق الصهاينة لمنع نكبة أخرى يكون ضحيتها ما تبقى من الشعب الفلسطيني في أرضه. والراهن أن حالة العرب بعد الربيع العربي وارتفاع حدة الانكشاف الاستراتيجي للمنطقة قد تغري إسرائيل التي لا تشعر بخطر من العرب للقيام بأمور ما كان من الممكن تخيلها قبل سنوات قليلة








