خطة الحكومة لادارة هزيمتها
بعد ان استشعرت حكومة فايز الطراونة بأنها تتعرض لهزيمة شعبية ولانكشاف سياسي (تجلى بأشع صوره عندما تبنت رئيس الحكومة منهجا اقصائيا) بدأت الحكومة تعد العدة لإدارة هزيمتها، فهذه الحكومة- المعزولة شعبيا والتي لا تسمع إلا لنفسها- عمقت الازمة السياسية بسبب عدم امتلاكها القدرة على القراءة السياسية للتحولات الحقيقية في المجتمع الاردني. فالبنية الذهنية العرفية لأقطاب هذه الحكومة التي تستخدم فزاعات بالية وتتفاخر بأنها لا تستجدي الحوار مع احد ما زالت تستخف بالمجتمع الاردني وبعيدة كل البعد عن نبض الشارع، فهذه ليست حكومة منتخبة ولا تمثيلية وإنما حكومة جاءت بنفس الالية المسؤولة عن التدهور في مكانة الحكومات وهيبة المؤسسات وعن تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
امتثال حكومة الطراونة لمراكز القوى الأخرى أوصل البلد إلى طريق مسدود، وحالما تماهى اعضاء الحكومة مع العوامل المسؤولة عن استمرار الأزمة وغياب الرضا العام لم يعد امام الحكومة القدرة على ابداء مرونة كان يمكن لها ان تمتص الحراك. وهنا يمكن الاشارة إلى ثلاثة عوامل هي: أولا، القراءة الرسمية الخاطئة للدوافع التي تقف خلف الحراك الشعبي، وهي قراءة ترى أن الحراك هو حراك مطلبي فقط وما كان له أن يصل إلى هذه المرحلة لولا "الانفلات الاعلامي،" لذلك فإن المطلوب ليس الاصلاح الحقيقي وانما تحجيم دور الاعلام ومنعه من القيام بدوره الوطني حتى يعود الاردنيون لبيوتهم.
أما العامل الثاني فيتعلق بالتطورات الاقليمية بعد أن وصلت الثورة السورية إلى نقطة لا يمكن لأي طرف فيها ان يدعي بانه منتصر وهو أمر دفع صانع القرار بالاردن إلى استبطان أن الاسلاميين لن يصلوا للسلطة بسوريا وبالتالي لا فائدة من تقديم تنازل لهم في الاردن. والحكومة وعلى رأسها الرئيس، ما زالت تصر على ثنائية الدولة والاسلاميين دون الالتفات الى وجود خيار ثالث في الشارع. من هنا جاءت الاستدارة على موضوع الاصلاح وتم التخلص من عون الخصاونة وتسليم الملف لفايز الطروانة الذي لا يجادل ولا يقول لا لمراكز القوى الأهم في الأردن. ولهذا السبب دفعت بماكنتها الاعلامية لخلق انطباع أن الاخوان المسلمين يريدون قانونا مفصلا على مقاسهم وذلك في اطار شيطنة الحركة وكسب انحياز الشارع لقانون الطراونة الانتخابي، غير ان الحكومة لم تنجح في عزل الاسلاميين بل عزلت نفسها عن الشارع. أما العامل الثالث فله علاقة بتقديم الولايات المتحدة وبدرجة اقل دول الاتحاد الأوروبي الاستقرار على التغيير الديمقراطي في المنطقة، وهو الأمر الذي استغلته النخب الحاكمة بالاردن وحاولت تقديم الاصلاحات الشكلية على انها نهاية المطاف وتتويج لجهود الاردن "الجبارة" في التعامل الناعم مع الربيع العربي وانتهاز الفرصة للتغيير!!
هذه القراءة الرسمية اصطدمت بثلاثة عوامل أخرى جعلت من استمرار حكومة فايز الطراونة على ما تمثله وصفة تأزيم لا وصفة حل. العامل الأول يدور حول فشل الحكومة حتى في التعامل مع تشخيصها الخاطيء للأزمة، فاذا كان الحراك مطلبيا ولأسباب اقتصادية كيف يمكن عندها فهم رفع الاسعار بشكل جنوني والخضوع لاملاءات صندوق النقد الدولي؟! فكيف يمكن لحكومة تقول ان الحراك اقتصادي وتخفق في ايجاد حل لاي مشكلة اقتصادية، فالبطالة ومعدلات الفقر والاسعار والمديونية ارتفعت كلها في عهد حكومة الطراونة، فاين هي انجازات هذه الحكومة؟!.
النقطة الثانية هي ان الامور تتجه باتجاه الحسم في سوريا على عكس القراءة الرسمية، وبقاء النظام السوري الذي راهن عليه العرفيون في الاردن حتى لا يقدم نموذجا يقلل من قيمة الاردن يتهاوى، والمطلوب من الاردن التعامل مع هذا الاستحقاق في وقت لم ينجح فيه في طي ملف الاصلاح! وعلاوة على ذلك لم تنجح محاولات فايز الطراونة اخافة الاردنيين وخلق انطباع بان الاردن مهدد وهو يتجول بلباس السفاري في شمال الاردن. والنقطة الثالثه هي أن تواطؤ الادارة الاميركية مع الرسميين في ملف الاصلاحات لم تترجم الى موقف لدى صناع الرأي العام بالولايات المتحدة، فمنظمات المجتمع المدني الاميركي ما زالت تطرح الاصلاحات في الاردن عن طريق باحثيها في المراكز المرتبطة بدوائر صنع القرار مثل كارنيجي، وقد شاهدنا الباحث مروان المعشر في جولة بالاردن وهو يتبنى مواقف بالاصلاح لا يمكن ان تكون فقط شخصية لا سيما وهو يعمل مع مؤسسة اميركية تمول كل مشاريعه. وهذه النقطة يلتقطها الاردنيون بذكاء ويعتقد الكثيرون ان الموقف الاميركي هو تكتيكي وان الضغط على الاردن سيأتي في وقت لاحق.
ودون الدخول في تفاصيل المشهد الحكومي، فإن الحكومة مرتبكة، وبالفعل تحولت وكأنها حكومة ظل تنفذ املاءات مراكز القوى الاخرى التي تسعى لخوض المعركة للنهاية واجراء انتخابات نيابية احتراما للتعهدات الملكية المتتالية. لكن هناك مشكلة وهي ان المعيار لنجاح الدولة في الاصلاحات هو نسبة التسجيل ومن ثم نسبة الانتخاب. وهنا يبدو ان الحكومة تخسر المعركة، فحتى تحصل على الحد الادنى من رضا الملك عليها تسجيل أكثر من مليونين ونصف المليون ناخب و بدون ذلك ستنجح استراتيجية المقاطعة وتلحق بالحكومة هزيمة ربما تدخل موسوعة غينس.
الحكومة تدرك وإن بشكل متأخر ان مهمتها تكاد تكون مستحيلة، وإذا ما استمرت نسب التسجيل بهذا المعدل فإن العدد الاجمالي لن يتجاوز مليون، لذلك تبحث الحكومة الان عن طريقة لادارة هزيمتها وادارة انسحابها من المشهد باقل خسائر ممكنة، من هنا يقدم الطراونة على خطوتين. أولا تقييد الاعلام حتى لا يثخن من جراح الحكومة المتهالكة، والبحث عن خيار التأجيل حتى يرحل دون ان يتحمل عبء الفشل.
والارتباك الحكومي بادي للعيان من خلال الايعاز لكتيبة من الاعلاميين باطلاق بالونات اختبار تأجيل الانتخابات حتى لا تتعرض لسقطة شعبية. على أن الامر لا يتوقف على الحكومة فقط، فالدولة تشعر باحراج شديد وقامت بفتح الابواب على مصراعيها لنفوذ فصائلي فلسطيني حتى يقنع الاردنيين من اصل فلسطيني بالتسجيل ومن ثم بالمشاركة، وهذا سابقة إذ تعرض حكومة الطراونة الاردن لاختراق قاتل الاردن لمنعه لعقود طويلة، وهنا تتجلى المفارقة بأبشع صورها، فالفكر السياسي لرئيس الحكومة يتمحور دائما حول منعة الاردن وبالاخص ضد التدخلات الفلسطينية بالساحة الاردنية، غير انه في معركته الدونكيشيتيه يدخل المحظورات.
بالمحصلة، امام الحكومة خيارين احلاهما مرّ. فأما أن تعلن حالة الطواريء مستفيدة مما يجري على الساحة السورية والحدود الاردنية وهذا يسهل مهمة تأجيل الانتخابات وأما ان تجريها بمن حضر وتتحمل مخاطرة الفشل الكلي. لكن بعد كل هذا المخاض الذي كان بالامكان تجاوزه لو أن النخب الحاكمة لا تخشى محاكمة الفاسدين ولو انها لا تبحث عن اجراءات وقائية للحفاظ على مكاسبها ومكانتها. نقول ان الملك الان يتكيء عليهم وهم غير قادرين على عمل شيء، وربما حان الوقت ليفكر الملك بالانقلاب على هذه التركيبه انقاذا للبلاد والعباد.








