حكومة ضعيفة يعني حكومة خطرة
د. حسن البراري
جو 24 :
وكأننا استسلمنا لليأس بحيث أن نبأ تشكيل حكومة إسرائيلية من ثلة من الاحزاب التي تعلن جهارا نهارا بأنها تريد أن تبقي الفلسطينيين على شواطئ الموت يمر هكذا في وقت كان ينبغي فيه أن يقلق هذا التطور الخطر مضاجع العرب. والخطورة تتجلى في أن البعض من الزعماء العرب لم يعد ينظر إلى إسرائيل كعدو أو كمصدر التهديد الرئيس في الإقليم، وكنا سنتفهم لو ان تواريهم عن الانظار وعدم تعليقهم على الأمر ينم عن عجز، ففي السابق على الأقل كانت الحمرة تعتلي وجه بعض الزعماء خجلا من عدم القدرة على التأثير، أما الآن فالحال اختلف وأصبحت البلادة وعدم الاكتراث مشاعر مسيطرة عليهم.
وأصل الحكاية هنا، فالائتلاف الحكومي يتكىء على اغلبية 61 عضو كنسيت (أي النصف زائد واحد) وهي أغلبية هشة إذ بإمكان عضو كنيست واحد ان ينسحب من الائتلاف ويسقط الحكومة، وهذا يعني أن نتنياهو سيبقى عرضة لابتزاز اليمين المتطرف وبخاصة الشق الديني منه، فحاجة نتنياهو لهذه الاحزاب الصغيرة تثير رغبة عارمةً لديها في ممارسة شتى أنواع الابتزاز، وبالفعل استغلت هذه الاحزاب انسحاب ليبرمان من الائتلاف يومين قبل انتهاء المدة القانونية لتشكيل الحكومة لفرض شروطها على نتنياهو، وهنا الحديث عن حزب شاس (7 مقاعد) وحزب يهودية التوراة (6 مقاعد)، وهي أحزاب فرضت الشرطين التاليين: التراجع عن تجنيد المتدينين (أي أن قواعدهم الانتخابية لن تتحمل عبء استمرار الصراع)، الحصول على فوائد اقتصادية تقدر بمبلغ 500 مليون دولار، ونتنياهو الذي بدا وكأنه رجل اصابه مس امتثل! أما الموقف من الفلسطينيين، فلا خلاف بين هذه الاحزاب، فجميعها تعارض اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة جغرافيا تكون القدس عاصمة لها.
بشكل عام فإن الاحزاب الخمسة التي تشكل حكومة نتنياهو هي احزاب يمينية وقومية متطرفة ودينية ما يعني أن إسرائيل لن يكن بوسعها أن تغير من سياستها القائمة، ويثبت مرة أخرى أن ديناميكية المجتمع والسياسة في إسرائيل لن تفضي الى ائتلاف يضع السلام نصب أعينه. ولا يبدو أن نتنياهو سيكون مقنعا وهو يستند إلى ائتلاف متأرجح، وربما لن يكون بوسعه اقناع هيرتزوغ من حزب العمل الانضمام له مقابل وزارة الخارجية لأن الأخير سيتعرض لانتقادات عميقة من قبل حزبه وسيتهم بأنه هو من أنقذ نتنياهو من سقوط حتمي.
على الأرجح أن نتنياهو سيدفع فاتورة الحكومة التي شكلها مع أنه كان بوسعه أن يأخذ مسارا آخر منذ البداية، فالأحزاب الدينية والقومية المتطرفة ستفرض برنامجها عليه، وهذا يعني أن خيارات نتنياهو محصورة بخيارين: الانبطاح للتركيبة اليمينية وبرنامجها ما يعني عزلة دولية وصدامات مع واشنطن ناهيك عن الفلسطينيين، وهناك أيضا احتمال أن يقاوم نتنياهو مطالب شركاؤه في الائتلاف ما يفضي إلى توتر سرعان ما يؤدي إلى سقوط حكومته، والسؤال الآن هي سيتقدم هيرتزوغ وحزب العمل بإنقاذه؟ أشك وإن حصل ذلك سيكون بشروط تجعل من نتنياهو يفقد الجناح المتشدد والمتربص في حزبه.
ما يهمنا في الأردن هو أن ما يجري غرب النهر يهدد أمننا القومي في قادم الأيام، فالخطر الداهم على الأردن يأتي من السياسات الإسرائيلية ويبدو أن العقل الجمعي الإسرائيلي يريد شيئا واحدا من الأردن وهو الدور الوظيفي والمتمثل في استيعاب مخرجات فشل عملية السلام ولعب دور يناسب مصالح إسرائيل غرب النهر. لغاية الآن لم ننجح في التأثير على سلوك إسرائيل ولا يبدو أن في جعبة الرسميين أية حلول غير الانتظار والتعامل على طريقة ردات الفعل والعقلانية، والأخيرة تعني احيانا حبس الانفاس انتظارا لما سيجري ثم التعامل معه وفقا "للإمكانات"








