jo24_banner

أفق جديدة وتحديات مُرحّلة

جمانة غنيمات
جو 24 :

مصير الملف الاقتصادي يبدو اليوم مبهما، وسيغدو من الصعب على أية حكومة العودة لزيادة الأسعار بعد ردود الأفعال الشعبية الغاضبة على تلك الزيادات، في حين أن تطبيق الاتفاق مع صندوق النقد لم يعد أمرا سهلا، لا سيما أنه يرتكز على سياسة التخلص من دعم السلع والخدمات.


ولا يظنّنّ أحد أن السير في طريق خلاص الاقتصاد من مشاكله العميقة سيكون معبّدا بالزهور، وحل جزء من مشاكل الموازنة وتحديدا العجز مرهون بتوفر أجواء سياسية مواتية، بعيدا عن التوتر والاحتقان، خصوصا أن الدول المانحة حتى العربية منها، باتت تشترط التخلص من الدعم مقابل تقديم المساعدات.


ولطالما ظل الملف الاقتصادي الأداة الأكثر تأجيجا للشارع وللوضع السياسي، وهي المسألة التي تدركها المعارضة جيدا وتتقن استخدامها واستثمارها، وما ردود الفعل المناوئة لقرار حكومة فايز الطراونة برفع الأسعار إلا مثال صارخ على صحة هذه النظرية.


الاقتصاد ما يزال متقدما على السياسة؛ بمجرد إعلان قرار الأسعار استنفرت شرائح واسعة من المجتمع غضبا لعلمها بالتجربة العملية أن القرار يمس مصالحها، ويتسبب بمزيد من النزيف لدخلها المتواضع أصلا.


وتبعا لسيكولوجيا الإنسان، فإن ردود الفعل حيال القرارات الاقتصادية الصعبة يبدو طبيعيا، تحديدا إذا ما علم أن 20 % من المجتمع لا يعلمون ما هو قانون الانتخاب، فيما 61 % منهم يرغبون ببقاء قانون الصوت الواحد، بحسب استطلاعات رأي.


ولو أجري استطلاع للرأي العام حول نسبة من يعرفون عن برنامج التصحيح مع صندوق النقد ونية الحكومة رفع الأسعار، لتجاوزت النسبة كل التوقعات، ليس لأن الصندوق مهم، بل لأن ما ينجم عن اتفاقه سيؤثر في حياتها بعمق.


في استطلاعات الرأي ما تزال القضايا الاقتصادية التي تمس حياة الناس، الأكثر تأثيرا في صناعة الرأي العام بدرجات كبيرة تتفوق على اهتمام المجتمع بقانون الانتخاب والحكومة البرلمانية، وهنا مفتاح الحل، فاستعادة الشارع وضبط إيقاعه يحتاجان إلى عقلية مختلفة، بالتأكيد لا تقوم على اعتقال شباب الحراك وتحويلهم لمحكمة عسكرية.


قرارات رفع الأسعار، وهي كثيرة في الفترات المقبلة، ستبقى ورقة رابحة بيد المعارضة لتستخدمها لجني شعبية أكبر في الشارع، خصوصا أن زيادة الأسعار تمس الجميع، الأمّيّ قبل المتعلم، وربة البيت قبل السياسي والنخبوي.


المشكلة مركبة، ويضعف من القدرة على حلها غياب الرؤية المتكاملة لدى حكومات لا تعاني من ضعف البرامج والتنصل من الوعود فحسب، بل يسكنها منذ زمن ضعف إرادة الإصلاح، وهذا وحده يعد طريقا ممهدا لتأجيج الشارع واستنفاره.


حكومات اليوم تعاني من ضعف الثقة والحيلة، وتجدها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، والسبب تأخرها وتسويفها في تطبيق الإصلاح الاقتصادي، والحديث هنا ليس عن سياسات الدعم.


القول إن مطالب الشارع سياسية صحيح، لكنها ليست أولوية المجتمع الذي يئن تحت الجوع والفقر والقهر، يفكر أولا وأخيرا في لقمة العيش التي اضطرته حكومات وبرلمانات سابقة لبيع صوته من أجل حفنة دنانير، ولا ننسى هنا المال السياسي وتأثيراته القاتلة.


ومن يجد الحل للمعضلات الاقتصادية معارضة أو حكومة هو من سيمتلك أداة قوية لتسيير الشارع والتحكم بتطلعاته.


عملية الإصلاح التي أعلنها الملك، تعني وجود حكومات برلمانية، والأخيرة عليها أن تقترب من تطلعات الناس، وأن تضع مقاربة جديدة للخروج من المأزق الاقتصادي، تؤسس قبلها قاعدة متينة لبقائها والحصول على الرضا الشعبي تقوم على محاربة الفساد، ومعالجة اختلالات الإنفاق، وتفرض نموذجا قويا من الإفصاح والشفافية، وقبل كل شيء ضمان نزاهة الانتخابات وعدم تزوير إرادة الشعب.


حكومة الطراونة على وشك الرحيل، والمقبلة حكومة تصريف أعمال، ما يعني أن الملف الاقتصادي سيرحل حتى أول حكومة برلمانية، وهذا هو الاختبار الحقيقي. الغد

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير