هل اتسع الرتق على الرقع؟!
د. حسن البراري
جو 24 : في النقاش العام في الاردن حول الطريقة المثلى للخروج من الأزمة السياسية المستفحلة في المجتمع الاردني برزت مدرستان. الاولى تعتبر ان العمل السياسي الاصل ان يتضمن مخاطرة محسوبة وهو ما افتقدته الدولة وبقيت طوال السنوات التي مضت اسيرة لمقولات جوهرها الاقصاء، وهي في الوقت ذاته مقولات جاءت بمثابة قنابل دخانية لتخفي خلفها استماتة ورغبة النخب الحاكمة للاستئثار بصناعة القرار حماية لمجموعات يرى الشارع بأنها ليست نزيهة في ادارة شؤون البلاد والعباد. ولهذا بقيت مقولات الملك- حسب هذه المدرسة- حول جديته بالاصلاحات الحقيقية دون ترجمة بدليل الاستدارة عن الاصلاح والاطاحة بحكومة الخصاونة التي كانت تؤسس لاستعادة ثقة المواطن الاردني بمؤسسات الدولة من خلال ما اطلق عليه الخصاونة نفسه تجويد التشريعات والتي صارع من اجلها قبل ان ينتصر حلف الصوت الواحدة في تأمين رأس الدولة لجانبهم. وترى هذه المدرسة أن دوام الحال من المحال وأن المجتمع الأردني طرأ عليه تغيرات كبيرة لن يتمكن النظام الحاكم من ادارة شؤون البلاد بنفس الاليات دون اصطدام قادم مع قطاعات واسعة من المجتمع الأردني. ولذلك برز عدد قليل من السياسيين ومنهم من كان على رأس عمله حاولوا خلق شروط التشاركية في الحكم وتوازن بين السلطات.
وعلى النقيض من ذلك هناك مدرسة أخرى ترى بأن قوى المعارضة تلكأت وناورت من أجل تعظيم مكاسبها السياسية دون التعامل بايجابية مع توجهات الملك الاصلاحية في البداية، ويرى اصحاب هذا الرأي أن المعارضة الاردنية لم تحسن التعامل مع الفرصة التي وفرها الربيع الاردني، فالاخوان المسلمون قاطعوا كل شيء منذ البداية انتظارا لنضوج ظروف اقليمية ومعركة الحسم في سوريا حتى يمتلكوا أوراقا تفاوضية في مواجهة الدولة . ويشير البعض إلى أن عدم مشاركة ممثلين عن حركة الاخوان المسلمين بلجنة الحوار الوطني كانت بهدف نزع صفة التمثيلية عن هذه اللجنة ما منح القوى التي عارضت اللجنة ذخيرة اضافية لوضع مخرجات اللجنة على الرف على اعتبار انها اما ساذجه سياسيا أو تمثل مخاطرة مجانية لا تضمن مشاركة الجميع في اللعبة السياسية.
ومما زاد الطين بلة هو فشل القوى السياسية المجتمعية الاخرى في بلورة تيار ثالث بعيدا عن ثنائية الدولة والاسلاميين، ويقيت الحراكات ذات طبيعة احتجاجية ولم تنجح في بلورة قيادة حقيقية تعمل على حشد الشارع خلفها بالرغم من أن مطالبها ليست فقط مشروعة وإنما تعكس رأي الغالبية الاردنية التي تعاني كثيرا من سوء ادارة النخب الحاكمة لشؤون البلاد وهو ادارة قامت على الاقصاء والتساهل مع الفساد. اخفقت القوى السياسية والدولة في نهاية الأمر من التوصل الى توافقات وطنية حول ماهية الاصلاحات المطلوبة وجدولها الزمني. وفي خضم ذلك لم يتمكن الرسميون من ايجاد نقطة وسط لتشاركية كانت قابلة للتحقق لو لم تلجأ الدولة لنهج شيطنة كل من يعارض مواقفها واتهامه بتلقي تعليمات من الخارج.
وهنا حشرت الدولة نفسها في موقف لا تحسد عليه وفقدت القدرة على امتلاك زمام المبادرة عندما اصرت على التعامل مع متطلبات الاصلاحات السياسية كتحد وكمصدر تهديد وحشدت كل قواها خلف مقاربة الاقصاء، بدلا من استغلال فرصة الربيع العربي لاعادة انتاج المشهد السياسي بشكل يضمن مزيد من القوة والمنعة وربما حتى انتاج انموذج اردني في الأقليم. وعلى نحو لافت لم تعد الدولة تفرق بين السلطة والتسلط! وبالتالي فإن مجمل ما يجري هو ضرب من التسلط لدرجة أن النظام تحول إلى سلطة لكنه سلطة تمارس التسلط على المواطنين بدليل اصرارها على خلق كل شروط الاقصاء وعدم التشاركية. ويرى فريق من السياسيين الأردنيين المحسوبين على الدولة أن الدولة استسلمت بالكامل لوجهة نظر امنية تتعامل مع الاصلاح كتهديد وليس كتحد او كفرصة. ولم ينجح الفريق المتنفذ في الدولة من فهم ديناميكية انهيار الانظمة وتحولها الى سلطات، فالدولة تنهار عندما لا تتمكن من اخضاع المؤسسات الأمنية لسلطة القانون وتصبح الدولة تعبيرا عن الرؤى الأمنية القاصرة. وعندما تتحول الاجهزة التنفيذية والتشريعية وفي كثير من الاحيان القضائية في خدمة وجهة نظر أمنية ضيقة تتعامل مع المشهد بالقطعة دون أن يكون هناك تصور استراتيجي لطبيعة التحديات وطرق معالجتها ندخل في أزمة كلفه علاجها تترتفع مع مرور الايام.
لنعود للوراء قليلا، عندما جاءت حكومة القاضي عون الخصاونة كانت تشخص الازمة بشكل استراتيجي وبالتالي كانت نيّة الحكومة سن التشريعات الجيدة التي تضمن التشاركية، فالبنية الذهنية لعون الخصاونة ربما دفعته للتفكير بأن الحكم بالاليات القديمة قد استنفذت فرصها وبالتالي كان لا بد من صوغ قواعد لعبة مختلفة يربح فيها الجميع. غير ان رؤية عون الخصاونة اصطدمت برؤية امنية ضيقة التي بدورها قوضت فرصة ايجاد تشريعات تضمن اشراك الاسلاميين في اللعبة السياسة هو ما منع أن تتحول حركة الاخوان المسلمين الى stakeholders أي طرف له مصلحة مباشرة بالمشاركة باللعبة السياسية.فالخصاونة كان يفهم أن حركة الاخوان المسلمين هو من ضرورات الاستقرار والاصلاح ولا يعقل أن تستمر الدولة في فزاعاتها التي تهدف لتخويف الناس ورأس الدولة من المضي قدما باصلاحات حقيقية تمكن الشعب الاردني.
المتابع للشأن الأردني يصاب بالدهشة من الاصرار على التمترس الرسمي خلف مقولات أو لنقل فزاعات لم تعد تنطلي على أحد. واشير الى مقابلة رئيس مجلس النواب الاستاذ عبدالكريم الدغمي على قناة رؤيه عندما عبر عن موقفه المعارض لتغيرات دستوريه خوفا ليس على صلاحيات الملك فقط وانما خوفا من الوطن البديل. وفي سياق متصل قام البعض بتقديم الاخوان المسلمين على اعتبار انهم حصان طروادة الذي من خلاله سيتحول الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين! ما غاب عن ذهن هذه الشريحة المحترمة هو أن قدرة المجتمع الاردني على مقاومة سيناريو الوطن البديل تكون في احسن حالاتها اذا تحول كل الاردنيين الى stakeholders في الدولة وهذا يتطلب مقاربة اصلاحية شاملة تكون التشاركية عنوانها الابرز، غير أن ما يحدث هو أن النخب المأزومة مازالت تطلق قنابل دخانية للتبرير موقفها الحقيقي المناهض للاصلاح، فالانقسامات والشرذمة الناتجة عن السياسيات الرسمية هي من ستضعف الاردن في قادم الايام للتصدي لسيناريوهات مخرجات ما يمكن ان يجري غرب النهر وقد اشرت الى ذلك في مقال سابق حاولت فيه رصد التهديدات الحقيقية للاردن. وكما يقول مارتن لوثر كينغ "لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت" وما يساعد الاردن على عدم الانحناء هو المنعة الداخلية وهو ما اخفقنا في بنائه لغاية هذه اللحظة.
لسنا بحاجة لاعادة اختراع العجلة من جديد لنجد حلا، فالحل هو العودة للشارع حتى يتشارك الجميع في تحمل المسؤوليات الوطنية، وما شاهدناه من عزوف شعبي وسياسي للتسجيل في الانتخابات بالرغم من الضغوطات والترويج والتضليل ما هو الا دليل على أن المجتمع ما زال منقسما بشأن ما يجري. فهناك فجوة في الثقة كبيرة بين الدولة المجتمع وصلت الى نقطة حرجة لم تنفع معها سياسات التدليس الاصلاحية او حتى الاستعانة بمؤسسات بحثية مثل بوز الن لترشيح رئيس وزراء كما فعلت مرتين( مرة وضعت مواصفات اكاديمي فشل في ادارة الحكومة ومرة اختارت شخص ضعيف من عشيرة قوية وفشل هو الاخر). اللافت ان من يفشل في ادارة الحكومات يعتقد بأنه قام بدوره، وهنا تحضرني مقولة برنارد شو "عندما يقوم رجل غبي بفعل مخجل ، يدّعي بأنه واجبه."
بكلمة، عندما تصل الأمور الى هذا الحد من اقصاء وشيطنة واتهامات متبادلة وعندما تضيع القضية الاهم وتصدر تشريعات تكميم الافواه في زمن الحرية يتسع الرتق على الراقع وربما يفتح صندوق الشرور والعياذ بالله!
وعلى النقيض من ذلك هناك مدرسة أخرى ترى بأن قوى المعارضة تلكأت وناورت من أجل تعظيم مكاسبها السياسية دون التعامل بايجابية مع توجهات الملك الاصلاحية في البداية، ويرى اصحاب هذا الرأي أن المعارضة الاردنية لم تحسن التعامل مع الفرصة التي وفرها الربيع الاردني، فالاخوان المسلمون قاطعوا كل شيء منذ البداية انتظارا لنضوج ظروف اقليمية ومعركة الحسم في سوريا حتى يمتلكوا أوراقا تفاوضية في مواجهة الدولة . ويشير البعض إلى أن عدم مشاركة ممثلين عن حركة الاخوان المسلمين بلجنة الحوار الوطني كانت بهدف نزع صفة التمثيلية عن هذه اللجنة ما منح القوى التي عارضت اللجنة ذخيرة اضافية لوضع مخرجات اللجنة على الرف على اعتبار انها اما ساذجه سياسيا أو تمثل مخاطرة مجانية لا تضمن مشاركة الجميع في اللعبة السياسية.
ومما زاد الطين بلة هو فشل القوى السياسية المجتمعية الاخرى في بلورة تيار ثالث بعيدا عن ثنائية الدولة والاسلاميين، ويقيت الحراكات ذات طبيعة احتجاجية ولم تنجح في بلورة قيادة حقيقية تعمل على حشد الشارع خلفها بالرغم من أن مطالبها ليست فقط مشروعة وإنما تعكس رأي الغالبية الاردنية التي تعاني كثيرا من سوء ادارة النخب الحاكمة لشؤون البلاد وهو ادارة قامت على الاقصاء والتساهل مع الفساد. اخفقت القوى السياسية والدولة في نهاية الأمر من التوصل الى توافقات وطنية حول ماهية الاصلاحات المطلوبة وجدولها الزمني. وفي خضم ذلك لم يتمكن الرسميون من ايجاد نقطة وسط لتشاركية كانت قابلة للتحقق لو لم تلجأ الدولة لنهج شيطنة كل من يعارض مواقفها واتهامه بتلقي تعليمات من الخارج.
وهنا حشرت الدولة نفسها في موقف لا تحسد عليه وفقدت القدرة على امتلاك زمام المبادرة عندما اصرت على التعامل مع متطلبات الاصلاحات السياسية كتحد وكمصدر تهديد وحشدت كل قواها خلف مقاربة الاقصاء، بدلا من استغلال فرصة الربيع العربي لاعادة انتاج المشهد السياسي بشكل يضمن مزيد من القوة والمنعة وربما حتى انتاج انموذج اردني في الأقليم. وعلى نحو لافت لم تعد الدولة تفرق بين السلطة والتسلط! وبالتالي فإن مجمل ما يجري هو ضرب من التسلط لدرجة أن النظام تحول إلى سلطة لكنه سلطة تمارس التسلط على المواطنين بدليل اصرارها على خلق كل شروط الاقصاء وعدم التشاركية. ويرى فريق من السياسيين الأردنيين المحسوبين على الدولة أن الدولة استسلمت بالكامل لوجهة نظر امنية تتعامل مع الاصلاح كتهديد وليس كتحد او كفرصة. ولم ينجح الفريق المتنفذ في الدولة من فهم ديناميكية انهيار الانظمة وتحولها الى سلطات، فالدولة تنهار عندما لا تتمكن من اخضاع المؤسسات الأمنية لسلطة القانون وتصبح الدولة تعبيرا عن الرؤى الأمنية القاصرة. وعندما تتحول الاجهزة التنفيذية والتشريعية وفي كثير من الاحيان القضائية في خدمة وجهة نظر أمنية ضيقة تتعامل مع المشهد بالقطعة دون أن يكون هناك تصور استراتيجي لطبيعة التحديات وطرق معالجتها ندخل في أزمة كلفه علاجها تترتفع مع مرور الايام.
لنعود للوراء قليلا، عندما جاءت حكومة القاضي عون الخصاونة كانت تشخص الازمة بشكل استراتيجي وبالتالي كانت نيّة الحكومة سن التشريعات الجيدة التي تضمن التشاركية، فالبنية الذهنية لعون الخصاونة ربما دفعته للتفكير بأن الحكم بالاليات القديمة قد استنفذت فرصها وبالتالي كان لا بد من صوغ قواعد لعبة مختلفة يربح فيها الجميع. غير ان رؤية عون الخصاونة اصطدمت برؤية امنية ضيقة التي بدورها قوضت فرصة ايجاد تشريعات تضمن اشراك الاسلاميين في اللعبة السياسة هو ما منع أن تتحول حركة الاخوان المسلمين الى stakeholders أي طرف له مصلحة مباشرة بالمشاركة باللعبة السياسية.فالخصاونة كان يفهم أن حركة الاخوان المسلمين هو من ضرورات الاستقرار والاصلاح ولا يعقل أن تستمر الدولة في فزاعاتها التي تهدف لتخويف الناس ورأس الدولة من المضي قدما باصلاحات حقيقية تمكن الشعب الاردني.
المتابع للشأن الأردني يصاب بالدهشة من الاصرار على التمترس الرسمي خلف مقولات أو لنقل فزاعات لم تعد تنطلي على أحد. واشير الى مقابلة رئيس مجلس النواب الاستاذ عبدالكريم الدغمي على قناة رؤيه عندما عبر عن موقفه المعارض لتغيرات دستوريه خوفا ليس على صلاحيات الملك فقط وانما خوفا من الوطن البديل. وفي سياق متصل قام البعض بتقديم الاخوان المسلمين على اعتبار انهم حصان طروادة الذي من خلاله سيتحول الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين! ما غاب عن ذهن هذه الشريحة المحترمة هو أن قدرة المجتمع الاردني على مقاومة سيناريو الوطن البديل تكون في احسن حالاتها اذا تحول كل الاردنيين الى stakeholders في الدولة وهذا يتطلب مقاربة اصلاحية شاملة تكون التشاركية عنوانها الابرز، غير أن ما يحدث هو أن النخب المأزومة مازالت تطلق قنابل دخانية للتبرير موقفها الحقيقي المناهض للاصلاح، فالانقسامات والشرذمة الناتجة عن السياسيات الرسمية هي من ستضعف الاردن في قادم الايام للتصدي لسيناريوهات مخرجات ما يمكن ان يجري غرب النهر وقد اشرت الى ذلك في مقال سابق حاولت فيه رصد التهديدات الحقيقية للاردن. وكما يقول مارتن لوثر كينغ "لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت" وما يساعد الاردن على عدم الانحناء هو المنعة الداخلية وهو ما اخفقنا في بنائه لغاية هذه اللحظة.
لسنا بحاجة لاعادة اختراع العجلة من جديد لنجد حلا، فالحل هو العودة للشارع حتى يتشارك الجميع في تحمل المسؤوليات الوطنية، وما شاهدناه من عزوف شعبي وسياسي للتسجيل في الانتخابات بالرغم من الضغوطات والترويج والتضليل ما هو الا دليل على أن المجتمع ما زال منقسما بشأن ما يجري. فهناك فجوة في الثقة كبيرة بين الدولة المجتمع وصلت الى نقطة حرجة لم تنفع معها سياسات التدليس الاصلاحية او حتى الاستعانة بمؤسسات بحثية مثل بوز الن لترشيح رئيس وزراء كما فعلت مرتين( مرة وضعت مواصفات اكاديمي فشل في ادارة الحكومة ومرة اختارت شخص ضعيف من عشيرة قوية وفشل هو الاخر). اللافت ان من يفشل في ادارة الحكومات يعتقد بأنه قام بدوره، وهنا تحضرني مقولة برنارد شو "عندما يقوم رجل غبي بفعل مخجل ، يدّعي بأنه واجبه."
بكلمة، عندما تصل الأمور الى هذا الحد من اقصاء وشيطنة واتهامات متبادلة وعندما تضيع القضية الاهم وتصدر تشريعات تكميم الافواه في زمن الحرية يتسع الرتق على الراقع وربما يفتح صندوق الشرور والعياذ بالله!








