jo24_banner
jo24_banner

تركيا وجوهر المسألة

د. حسن البراري
جو 24 : لم يعد كافيا أو حتى مقنعا أن يقتصر موقف أنقرة على التحذير المستمر من تداعيات استمرار الأزمة السورية، وكان مراقبون قد ذهبوا إلى أن تركيا هي من الدول القليلة في المنطقة برمتها التي تستشعر الخطر الحقيقي المترتب على الاحتلالين الروسي والإيراني لسوريا وبخاصة أنهما يتمتعان بمباركة نظام بشار الأسد الذي تراه تركيا بأنه غير شرعي.

وفي ظل التراجع الأمريكي بل والخداع الأمريكي للمعارضة السورية المعتدلة بات ضروريا على دول المنطقة أن تتحرك لمواجهة التحديات القادمة المتمثلة في إضعاف ممنهج للمعارضة السورية المعتدلة في وجه الدب الروسي الذي يؤمن عمليا بإمكانية الحسم العسكري لصالح قوات بشار. ويرى الكثير من المراقبين بأن موسكو تعمل على تعطيل إمكانية الحل السياسي حتى يتسنى لها تغيير الموازين على الأرض توطئة لفرض تسوية تضمن بقاء بشار والمعارضة "الموالية" له في سياق عملية سياسية شكلية.

من هنا جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية لتشكيل "مجلس تعاون إستراتيجي" من أجل الوقوف في وجه الأخطار الناتجة عن التوترات الكثيرة في منطقة باتت على شفير الهاوية. والحال أن تنسيق الجهود بين الرياض وأنقرة هو الأمل الوحيد أمام المعارضة السورية لإلحاق هزيمة بالمشروع الروسي في سوريا. وعلى نحو لافت، تقدمت كل من الرياض وأنقرة بخطوات في الأشهر القليلة الماضية سمحت بالوصول إلى تعاون إستراتيجي رغم الموقف من مصر، ففي السابق كانت المملكة العربية السعودية تُخضع علاقتها مع الدول الأخرى بموقف تلك الدول من الملف المصري برمته وهو أمر لم يسمح بتكوين علاقة إستراتيجية مع تركيا في وقت كان الجانبان بحاجة ماسة لها، أما الآن فتفصل النخب الحاكمة في السعودية المسكونة بالخطرين الروسي والإيراني بين الملفات إذ لم تعد تُخضع علاقاتها الثنائية مع الدول الأخرى إلى الموقف من النظام المصري وبخاصة أن الأخير وقف بجانب روسيا وبشار وهو موقف لا يمكن للرياض أن تتفهمه في ظل دعم الرياض المستمر للاستقرار بمصر.
صحيح أن المسؤولين في البلدين لم يتطرقوا إلى روسيا، وصحيح أيضا أنهم أعلنوا عن التحالف لمواجهة الأخطار مثل إرهاب داعش الذي بات سرطانا خطرا على المجتمعات لابد من استئصاله واستئصال الفكر المتطرف الذي يغذيه، لكن الصحيح أيضا أنه ما كان بوسع الدواعش أن يقيموا تنظيماً بهذه القوة لولا السياسيات الطائفية التي انتهجتها الحكومات العراقية ولولا الدعم الإيراني الكبير لنظام بشار الأسد ضد رغبة الغالبية الساحقة من أبناء الشعب السوري الذين انحازوا لثورتهم لتحقيق الاستقلال والحرية والكرامة.
أهمية التقارب السعودي التركي والقطري أنه يأتي في وقت تعاني منه المنطقة من انكشاف إستراتيجي وانكفاء أمريكي ضارين، لهذا توصل قادة هذه الدول إلى نتيجة مفادها أن تمكين الشعب السوري هو مفتاح الاستقرار لدحر النهج الطائفي الذي تغذيه إيران في المنطقة التي أصبحت عرضة للاستباحة من قوى لم يعرف عنها في يوم من الأيام مناصرتها لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
بقي أن نقول إن قيمة هذا التحالف وفعاليته يجب أن ينطلق من فرضية أن الطرف المؤيد لبشار الأسد لا يفهم إلا لغة القوة، فالحديث عن الحل السياسي الذي ينادي به وزير خارجية روسيا لافروف ما هو إلا خداع إستراتيجي لكسب الوقت واستغلال ما تبقى من فترة إدارة الرئيس أوباما لتغيير قواعد اللعبة في سوريا، كما لا يخفى على أحد أن إيران وأدواتها لا تريد حلا سياسيا لا يضمن بقاء الأسد. وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، أحسبها كذلك، عندها ينبغي أن تكون أجندات التحالف التركي السعودية واضحة وهي إحباط المشروعين الروسي والإيراني في سوريا. وهذا يقودنا إلى جوهر المسألة وهو استحالة الحل السلمي ما دامت قواعد اللعبة تُحدد من قبل موسكو.
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير