jo24_banner

ما بعد الحشد الأكبر

ياسر ابو هلاله
جو 24 : ما قبل المسيرة أحس من يقرأ ويستمع للغة التحريض في الإعلام اليميني المتطرف أن ملحمة ستقع في وسط البلد. وكم كنت أتمنى من المحرضين أن يشهدوا نهاية الحشد الأكبر في تاريخ العمل السياسي الأردني عندما انشغل منظمو المسيرة بتنظيف الشوارع وجمع القمامة. وخلافا للتعطل المزعوم للحياة التجارية فإن محلات العصير والكنافة والمطاعم وغيرها شهدت ازدهارا بفعل الأعداد الكبيرة المشاركة.
بات معروفا أن البلطجة قرار، وأصغر دورية شرطة قادرة على توقيف أي بلطجي. الجهد الاستثنائي كان في تنظيم حركة السيرعند توقف عقدة طرق عن العمل. البلطجية الهواة يوم الجمعة كانوا يحتمون بالشرطة وليس لهم حيلة في التعامل مع حشد كبير. وبأسهم يظهر في حراكات صغيرة، وهذا يظهر الدور الطبيعي للشرطة فهو تنظيمي بالمقام الأول وليس قمعيا. ولو حاول مشارك الاعتداء على ملكية خاصة أو عامة فإن دور الشرطة يتحول بالقانون إلى قوة قمع تمنع الاعتداء وتوقف المعتدي.
بعيدا عن لعبة الأرقام السخيفة فإن مظاهرة الجمعة كانت الحشد الأكبر في الحراك السياسي الأردني، ولم يسبق لقوة سياسية موالية أو معارضة أن حشدت هذا العدد. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، من يدّعون أنهم يمثلون قوة سياسية أكبر ليرونا حشدهم، وللأسف فإننا لا نشاهدها وهي برسم النوايا دائما. أنا اتابع شخصيا الحياة السياسية الأردنية من العام 1989، ولم أشاهد مؤتمرا لحزب في الهواء الطلق، كلها في قاعات مغلقة في أحسن الأحوال تتسع لألف شخص.
على وزارة الداخلية أن تشجع الأحزاب على استعراض قوتها بشكل سلمي. وساعتها نعرف أحجامها، الحشد في الشوارع معيار عالمي متبع، مثله مثل التصويت في الانتخابات. من الطريف اعتماد المسجلين للانتخابات باعتبارهم معارضي المظاهرة، بالمنطق ذاته فإن غير المسجلين هم الإخوان؟
على الدولة أن تتنبه أن المظاهرة، وإن كان الإخوان عمودها الفقري، فقد تجمعت فيها روافد الغضب الأردني، كان فيها حراك متضرري البورصات مثلا، وهو يمثل شريحة واسعة غاضبة تحمل الدولة مسؤولية الفشل في حماية أموالهم ومدخراتهم الشخصية. التسعون حراكا ليست تنويعات على الحركة الإسلامية بل هي روافد في نهر دافق معها، لا تجدي معه السدود. نهر يمثل مكونات المجتمع الأردني، لا فئة بعينها. للمرة الأولى نشاهد أبناء الأطراف البعيدة مع أبناء المركز. من نظر للمسيرة شاهد الأردن موحدا بمعزل عن الأصل والفرع.
يقول مرجع سياسي قابل مسؤولين كبارا إن البلاد تدار يوما بيوم، في مظاهرة الجمعة تجلى ذلك، لغة تحريض وتخوين ثم لغة تسامح ثم لغة استهانة واستهتار! ثبت أن التحريض لم يرعب المشاركين، إلى درجة الحديث عن إشعاعات في وسط البلد (نعم هكذا قيل!) وسيثبت أن التهوين لن يغير حقائق على الأرض.
الحراكات والحركة الإسلامية تأكدوا أن لديهم شارعا متجاوبا مع دعوات الحشد، وهذه الأداة سنشهد استخداما واسعا لها، بشكل مركزي وغير مركزي، وعلى الدولة أن تقرر على الأقل لسنة كيف ستتعامل مع الشارع الغاضب، بشكل استراتيجي بعيدا عن المياومة، لأن المعارضة بالمناسبة لديها استراتيجية.

yaser.hilila@alghad.jo


الغد
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير