2026-03-03 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

أشياء صغيرة، كبيرة في باطنها. لا يعرفها أحد

أ د. ثريّا ملحس
جو 24 :

شقيقي الغالي الذي رحل إلى طيّات الأبديّة مجتازاً السرّ الأكبر الذي حجبه الخالق عنّا ولو قال وخلق الإنسان في أحسن تقويم وميّزه على المخلوقات بالعقل والإرادة والاختبار والحرية، السرّ الأكبر الذي لا يعرفه الإنسان بوسائل الأرض والفضاء إلّا بعد وصوله إليه بعد الموت ممتزجاً بالله تعالى عارفاً ذلك السرّ سعيداً به. يرانا ولا نراه. يسمعنا ولا نسمعه. فهو في كلّ مكان وفي كلِّ زمان بل هو بلا مكان ولا زمان، وبعد أن تهدأ الفاجعة العاصفة التي لا وصف لها يسهل الأمر علينا فنسمع هسيسه ونذكره دائماً وأبداً ولا يغيب عنّا مهما طال الزمان، نردّد أقواله بجديّة وحزم وثبات بلا كلل ولا ملل لا همَّ له سوى خدمة الإنسان زاهداً غير مبال بمباهج الدنيا. وظلَّ في أوّل عيادة أنشأها في مطلع جبل عمّان قرب دارنا التي بناها والدنا في أواسط العشرينيّات من القرن الماضي حيث كان أقصى ما يصل إليه إنسان في ذلك الزمان! وظلّ فيها إلى آخر عمره تطلّ على مكتب شقيقه وصديقه زيد الذي لم يفارقه، الكائن في عمارة بناها والدنا أيضاً. وهي من أقدم العمارات في ذلك الحيّ في مطلع جبل عمّان من واديها.

- مرّة أردت أن أهدي شيئاً لعيادته ليعلّقه على حائط صالون صغير متواضع لانتظار مرضاه. فنظر إلى الرمز الذي أحمله، وقال: بحياء «يا دكتورة (هكذا كان يخاطبني): من آداب الطبّ وسلوكه أن لا يكون في عيادة الطبيب رمز من الرموز التفرقة بين إنسان وآخر. لا بين الأسود والأبيض ولا بين عقيدة وأخرى أو المذهب والمذهب. فالمريض إنسان يدخل إنساناً ويخرج إنساناً. ففهمت القول وحملت الهديّة إلى شقيقي زيد ليعلّقها على حائط مكتبه!ولأوَّل مرة أعرف تلك الفلسفة الإنسانية الرائعة!
- سمعته يقول لي: يا دكتورة هل أستحقّ هذا الحشد الكبير لوداعي؟ ماذا فعلت لهم؟ لقد خدمت الإنسان المريض والمحتاج بدقّة وأمانة وصدق ومحبّة في وطن أحببته وأخلصت له بلا مِنّة. بلا مقابل ...


كتب التقارير الطبيّة لكلّ إنسان دخل العيادة وأودعها في ملفّ له. ولـمّا يشاء المريض أن يسافر إلى طبّ الولايات المتحدّة الأمريكيّة أحمّله التقرير كما يحمل غيره من أطباء آخرين. وكان الطبيب الأمريكيّ يقرأ التقارير بعد فحص المريض فاختار ما كتبه شقيقي الحكيم الذي يطابق تماماً ما يتوصّل إليه ذلك الطبيب! فنشأ بين شقيقي الحكيم (الطبيب) صداقات بينه وبين الأطبّاء فانتمى إلى جمعيّات الأطبّاء المميّزين مشتركاً متواصلاً مكبّاً على الإنترنت وما يتبعه لمعرفة آخر المكتشفات للأمراض السائدة. يكتب التقارير ويتابع الأخبار العلميّة في رياض الطبّ. وهو كثير القلق على الإنسان المحتاج علاجيّاً واجتماعياً!

- وكان شقيقي الحكيم – هكذا يحبّ أن يسمّي – قال لي مرّة إنَّ من الأشياء التي أُحبّها في لبنان أنّ الشعب اللبنانيّ ينادي الطبيب حكيماً. ومنذ ذلك الوقت كنت أقول له يا حكيم فأرى في عينيه نور الفرح من دون أن يعلّق، إذ قضى في الجامعة الأميركيّة مدّة من الزمن، دخلها ليدرس الطبّ وهو في السابعة عشرة! وتخرج من كليّة الطبّ وهو في الواحدة والعشرين ما جعل مجلّة الجامعة تكتب لتقول: أوّل طبيب تخرّج بمثل هذه السنّ في تاريخ الجامعة، إذ دخل رأساً إلى السنة الثانية الجامعيّة تمهيداً للاختصاص في الطبّ الداخليّ! وقد تزاملنا معاً سنة 1951م. متّجهاً إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة لمتابعة اختصاصه، فمضى أربع سنوات، ثمّ عاد إلى البلاد على الرغم من الإغراءات الماديّة التي قدّمت إليه ليبقى لكنّه أدار ظهره قائلاً: درستُ الطبّ لأخدم الإنسان المريض المحتاج إليّ في وطني، وهكذا كان.. عاد سنة 1956م، ليبني عيادة متواضعة على مقاييس العيادات وظلَّ فيها من دون بهرجات العيادات اليوم إذ لم يكن هناك عيادة مستقلّة حينذاك وظلَّ فيها لا يرضى بديلاً لها حتّى مماته!

وقد حمل في رأسه مشاريع كثيرة غير آبه للمظهر إذ كان همّه الإنسان وصحّته فوق كلّ اعتبار.
- كان الحكيم شقيقي يعمل ليل نهار باحثاً متّصلاً بآخر التطورات العلميّة للمعالجة، يتابع المريض تلفونيّاً تارة، وتارة إذا اقتضى الأمر هرع إلى بيته!

- كان يراسل أطبّاء عالميّين فانتمى إلى جمعيّة الأطبّاء العالميّين مستعيناً بكلّ وسائل الاتّصالات الحديثة مثل الانترنت وتوابعه. وكان يرفض أن يساعده أحد. إذ يقوم بالفحص الدقيق ساعات ثمّ يحيل المريض إلى المتخصّص، لـمّا كثر الأطبّاء في عمّان ولكنّه كان يبحث عن الطبيب الأفضل، فإن رفض أحدهم يبقى صامتاً لا يدلي بأيّ شيء يؤذيه!

- لم يكن هذا العمل المتواصل ليل نهار يثنيه عن اهتمامه بأحفاده. فقد وفَّر لسميّه زهير عمر مكاناً هادئاً في بيته لكي يدرس، فظلّ عنده مجتازاً دراساته الثانويّة حتّى التخرّج، فسافر الحفيد ليتابع دراساته الجامعيّة العليا في بريطانيا. فاشترى الحكيم آلة يسمع صوته في الانترنت ويتواصل معه، ويصبّح عليه ويظلّ مفتوحاً يراقبه وهو داخل إلى شقّته وخارج ليلبّي جميع طلباته. وكان أبوه عمر قد اقتنع بهذا الترتيب حتّى الآن. فنال شهادة البكالوريوس والماجستير وعاد ليعمل في أحد البنوك سائراً على خطى جدّه زهير الحكيم! مفضّلاً أن يبقى في شقّته الصغيرة داخل البيت توفّر له الراحة والرضى حتّى الآن!

- مرّة حدَّثني شقيقي الغالي الحكيم أنّه تلقّى كلمة من سميّة زهير عمر يقول له: يا جدّي الأعزّ كلمات القواميس كلّها لا تفي، أريد أن أقول لك ألف شكر وسأبقى على عهدي طول عمري. فرأيت دمعة تجول في عينيه فرحاً وسعادة.

- وكعادتي أترك الزمن المملّ والتاريخ المقيّد وربّما انتقلت إلى ما بعد الزمان وربّما عدت بالزمان إلى الوراء. قلتُ تخرّجنا معاً، هو سافر للاختصاص إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وأنا تابعت دراساتي العليا الماجستير والدكتوراه في بيروت. وظللت في بيروت أدّرس 36 عاماً حيث آثرت أن أرفض سنوات التعليم أو الإشراف على رسائل الدكتوراه في الجامعة اللبنانيّة متدرّجة من معلّمة إلى مساعدة إلى أستاذة. كذلك أردت أن أترك للأجيال الجديدة التي تتخصّص في أوروبّا وبعد ما يزيد على خمسين عاماً عدتُ إلى عمّان وطني الذي أحببت كما كان لبنان وطني الثاني لأتفرّغ كلّياً إلى أبحاثي وشعري لكي أنشرها حتّى عام 2011م. وكنت قد اختصصتُ في العصر الأمويّ الذي كان حقّاً تمهيداً لحضارة عظمى في العصر العبّاسي. لقد وحّد معاوية ابن أبي سفيان العرب وجعلها أمّة واحدة ما جعل الجاحظ أن يقول كانت الدولة الأمويّة دولة عربيّة مدنيّة إذ تجاوز كلّ الماضي الذي جعل الدولة الراشدة محدودة دينيّة بحتة. وبهذا انتصر معاوية على الامبراطورية الرومانيّة ودحرها وانتصر عليها بوسائلها، فأنشأ جيشاً حضاريّاً. ومدّ يده إلى بيت المال يبني القصور ويجمع في ديوانه العلماء من كلّ صوب. فاجتمع عنده رجال مفكّرون يحاورونه ويحاورهم.

- وكان شقيقي وصديقي الحكيم تلمع عيناه الصغيرتان بفرح حين يسمع هذه الأخبار العلميّة والدينيّة والاجتماعية، وهو قارئ جيّد أجمع له كتباً تختصر حضارة العرب التي انطلقت في ذلك العصر. كما كان يحبّ الشعر ويرويه معجباً بالمتنبّي فقدّمت له ديوان المتنبّي. وكان أيضاً يستنجد به ويلقي الشعر وهو في طرب عجيب. وكنتُ أقول له يقال دائماً إنَّ العرب لم يعرفوا سوى الشعر فالشعر ديوانهم! فأجيب بسرعة لكنّ العرب هم أهل العلوم كلّها ولا سيّما الطبيّة والحسابيّة. فكلمة ديوان هي المجموعة الشعرية. وكلّ مجموعات كانت تسمّى ديواناً. كلمة فارسيّة أطلقها كسرى على الكتّاب الذين أنهوا ما طلبه منهم من جمع وتدوين وترتيب بسرعة فائقة فشبّههم «بديوانه» أي مثل الشياطين! كعادة الكلمة لها مدلولاتها وتطوّرات مدلولاتها حتى أصبحت مجموعة من كلّ شيء كالشعر وغيره وإن تخصصت بإطلاقه على الشعر!

- كان شقيقي الحكيم يحبّ الأوزان الشعريّة الخليليّة لكنّه كان يحترم كلّ جديد بصموت ومن دون تعليق...

- كان شقيقي الحكيم الغالي صامتاً لا يفشي سرّاً أكان من المرضي أو الشكوى. فأخفى عن كلّ عائلته، زوجته وأولاده وإخوته ماذا يجري له! عشر سنوات كان يعالج نفسه بنفسه رافضاً أيّ شيء سوى طريقته العلاجيّة. لم يعرف أحد شيئاً، وبعدها بدأ يتقهقر صحيّاً. وحين نسأل يقول لنا: حرارة عابرة ثمّ تذهب حتّى آخر عمره أي قبل دقائق من وفاته بين يدي الدكتور يوسف القسوس الذي كان يعرف كاتماً أنَّ السرطان الخبيث منتشر من الرأس حتّى القدمين! قبل دقائق فقط قبل أن يرحل حنى رأسه حين سأله ابنه عمر البكر مازحاً لعلّ عندك سرطان!! ثمّ حنى رأسه وغاب! أمّا أنا فكنت أسأل عنه شقيقه زيد وصديقه كلّ يوم فيقول لي: أحسن.. متحسّن.. ولم أدر برحيله سوى من صديقه: قرأت النبأ من الانترنت عمّون وغيره فتلفنت لتعزيتي، فقلت لها هدى أبو نوّار تعزيني بمن قالت بالدكتور زهير. فاجبتها صارخة أنت غلطانة روحي.. روحي وصرخت بعد خمس دقائق من رحيله جاء أشقّاؤه يحملون إليَّ النبأ فصرخت. ونحتُ وبكيت وخبّطت زيداً ونائل والأولاد وأنا أصرخ أين هو؟! علمت فقط عندما كان مهيّئاً للدفن ثاني يوم! وذلك في 20 أيلول يوم الخميس فدفن في مقبرة مجاوراً مقبرتي في سحاب! أمّا الصدمة فما زالت قويّة حتّى إنّني سمعتُه يقول إنّه مسرور لأنَّ سرّ الموت انكشف وعرفه كما عرف سرّ الحياة! هو يرانا بهذه التجربة ونحن لا نراه! مقبرتي قرب مقبرته بنيناها معاً في سحاب.. هو جاري وصديقي وشبيهي... عندما اشترينا المقبرتين جاءني مبتسماً فرحاً يقول: أنت أوّل امرأة في عمّان تملك مقبرة باسمها! وإن كانت ابنة عمّ والدي المربيّة الحاجّة عفيفة في نابلس سبقتني! وبنت فوقها مسجداً صغيراً!!

- كانت لقاءاتنا الطبيّة أيّام الأربعاء.. قبل أن ينهار آخر مرّة ليعدّل أدويتي، ويطمئنّ على ضغطي.. ولا يرضى أحداً أن يساعده بشيء، كان يحمل الشنطة الطبيّة يرافقه شقيقه وصديقه أيضاً يجيئان معاً لزيارتي كلّ أسبوع، وكان يرفض إلّا أن يحمل حقيبته الطبيّة وحده، وكان يترنّح. يرفض أي مساعدة حتّى أسميناه «الطبيب الرافض»!

- مرّة أراد أن يخفِّف آلامي «بالكورتزون» الذي يكره وإنّما اضطرّ إلى ذلك وإذ لا دواء لأمراض الروماتزم وأقساه «الروماتويد» فقال لتهيئتي: تأخذين هذه الجرعات وتحسّين ببدانة. فسكت وسكت. وبعد أسبوع لم ير فيَّ أي تغيير! فقلت له لم أزدد وزناً وإنّما نقص وزني الزائد واشتدَّ شعري وجسدي! فنظر إليَّ قائلاً: حتّى في هذا أنت عكس التيار!! فأجبته وأنت الطبيب الرافض! فابتسم صامتاً!

- كان متواضعاً جدّاً. صامتاً جدّاً. يفرح بمجيء زيد صديقه وشقيقه معه ليطلعه على أخبار عمّان الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، لأنَّ الغالي الحكيم كان مثل الراهب أو مثل المتصوّف في عيادته الصغيرة المتواضعة يتّصل بالانترنت ومشتقّاته بالأخبار العالميّة فهو يعرف آخر التطوّرات العلاجيّة الطبيّة. فكان يفرح بأخبار عمّان وناس عمّان الذين أحبّهم جميعاً بكلّ أمانة ودقة وإخلاص.. من العيادة إلى السيارة التي أراد أن يسوقها بنفسه رافضاً أيّ مساعدة من السائق أو من أخيه زيد وصديقه الذي يمتلك العمارة التي بناها والدي أيضاً في الخمسينيّات، وهي تقابل عيادته. لذلك كان شديد الاهتمام به يسأل عنه دائماً ويرعاه. آخر مرّة خرج من عيادته مترنّحاً يريد أن يسوق سيّارته فدفع به زيد وساقه حتّى بيته، آخر مرّة قبل رحيله بأيّام معدودة.

قال لي شقيقي زيد: وخرج يومذاك آخر طالب كان يفحصه لاستعداده للطيران بعبارة أخرى طالب طيران. وكان الحكيم الغالي أحد المعتمدين لفحص الطلّاب هؤلاء، فإن وجد أيّ خلل يمنعه كليّاً من الطيران قائلاً له بلطف: «إنَّ الناس في عمّان بين يديك لا تفرّط بهم..» فيرضى ذلك الطالب الذي كان يتوسلّه لاجتياز الامتحان!!

- مرّة كلّف الملك الحسين «رحمه الله» الشريف عبد الحميد شرف رحمه الله بتشكيل الوزارة. وكان الشريف صديقاً لشقيقي الحكيم الغالي ما يعرف عن أمانته وفكره النيّر. فاعتذر بلطف. عدة مرّات فعل الشريف وهو يقول له ستكون الوزارة على مثالنا لكي يغريه فرفض بلطف. عندئذ استعان الشريف بالملك الحسين ليكلّم الحكيم الغالي ويطلب منه أن يكون وزيراً في تلك الوزارة، طبعاً وزير صحّة، فسكت راضخاً. وهكذا أغلق عيادته وراح يقرأ كلّ شيء عن الوزارة وفي رأسه محاربة الفساد أوَّلاً وآخراً. وكان يقود سيارته الخاصّة إلى الوزارة الساعة السابعة صباحاً يفتح الأبواب وينتظر الموظّفين فيها. وكان صارماً بلطف متشدّداً بأمانة وصدق. وقد ألغى الواسطة. فمن عنده الكفاءة فهو الذي يحوز على الوظيفة. ومنع التدخين كليّاً عدوّ الإنسان. ما جعل بعض الموظّفين يستاؤون. ولكن كانوا راضخين لتلك المسلكيّات الجديدة عليهم. وشدّد على المواعيد. ولم يسمح حتّى لإخوته أن يكونوا واسطة لأيّ إنسان فأبعدهم. وأكبّ يدرس جميع الملفّات وفي رأسه ألف ملفّ وأمنيات وإصلاحات. وكان الحكيم آخر من يخرج من الوزارة ليركب سيّارته الخاصة ويعود إلى بيته. ولم يستعمل سيّارة الحكومة وسائقها إلّا لخدمة الوزارة والحكومة!!

- وقد قضى ستّ سنوات في وزارة الصحّة لغير رئيس وزراء. وأيّام مضر بدران رئيس الحكومة انتدب زهير ليذهب إلى إحدى الدول الخليجيّة ففعل. وحين عاد زار السيّد رئيس الوزراء مضر بدران وقدَّم له ساعة وخنجراً، قدّما له هدّية قائلاً: هذه باسم الوزارة لا باسم الدكتور زهير! فضحك السيّد مضر بدران حتّى انقلب على ظهره!!

- مرّة أخلّ أحد الموظّفين بالمواعيد وكان سائقاً. وحين ناداه فصله عن عمله. وكان أحد الأقرباء!
- ما أكتبه سوى شذرات بل وقفات عرفتها من إخوتي بعضها، وبعضها من إحساسي ومراقبتي ومعرفتي الشخصيّة لأنّه كان يشبهني بصموته وإن كان أكثر صموتاً إذ قلمي مستعدّ دائماً أن يتكلّم. كان يقدّرني بصموت. ولا مرّة قال لي أو علَّق على أيّ شيء كتبته ولو أعجبه!

- قلت منذ البداية لا أحبّ كتابة السير والروايات والمذكّرات وما يتبعها. لذلك أعود إلى الجامعة الأمريكية ببيروت لـمّا كنّا طالبين. أحدنا يرضى بالآخر وإنّما بصموت.

- كلّ مرّة يطرق باب بيتي أسبوعيّاً تفتح له الباب مدبّرة منزلي فيسألها عن صحّتها وحالها وهل هي مسرورة عندي. فتجيبه طبعاً أنتم عائلة كريمة ونبيلة وتشكره فرحة. ثمّ يدخل إلى الصالون ويسأل عن صديقه زيد أين هو من دون أن يسلّم عليّ أو يلقي السلام. فكنتُ أرضى بهذا التصرّف. ولكنَّني مرة جرؤت أن أقول له: ألا تسلّم أوَّلاً فحنى رأسه صامتاً. وفي المرّة الآتية أوّل ما فعل هو أن قال لي السلام عليكم ففرحت لأنَّه أخذ ملاحظتي بالجديّة.

- مرّة أردتُ أن أشكره وأقبّل يده فسحبها مسرعاً فذكّرني بوالدي رحمه الله الذي لم يشأ أحداً منّا أن يقبّل يده حتَّى حين كنّا صغاراً!! وحين كبرتُ وأصبح والدي صديقاً لي حملت يده بيديّ وقبلتها قسراً عنه فابتسم صامتاً! وكنتُ حينذاك أستاذة جامعيّة ببيروت أزوره ووالدتي كلّ أواخر الأسابيع في حمّانا حيث اشترى بيتاً صغيراً لينزوي فيه بعد أن علَّم ودرَّس أولاده جميعاً فأراد أن يبقى وحده لكي يرتاح!

- قبل أن يرحل الحكيم الغالي وهو في المستشفى طلبت من أخي زيد ورفيقه وصديقه أن يقبّل يده عنِّي شكراناً وعرفاناً ففعل، وخضع لتلك القبلة وهو يبتسم!

- مرّة في التسعينيّات من القرن الماضي (أواخره) أصبت بنزيف داخليّ وأنا لم أحسّ بذلك، فجاء وحملني إلى المستشفى ليعطيني وحدات دم، واسمه على باب غرفتي. كنتُ أحسّ بضعف. فقلت له «دادا» (وهو مصطلح عائليّ نستعمله محبّة بعضها لبعض)، فنظر إليَّ بحزم ومحبّة: أنا هنا طبيبك لست دادا!! ثمّ قفل خارجاً من الغرفة!

- أعود إلى مشاهد ونحن طالبان في الجامعة الأمريكيّة. كان طبيعيّاً لي وللحكيم الغالي كلّ ما يبدر عنّا. هو صامت وأنا صامتة حيّية! وكنّا نلتقي كلّ صباح في محفل الجامعة إذ كانت ما تزال تبشيريّة! نجلس قرب بعضنا بعضاً صامتين على حسب الألفبائيّة. ثمّ نخرج من المحفل، كلّ يمشي في طريقه!

- مرّة التقينا في مطعم بخعازي وزوجته، يقدّمان أطباقاً بيتيّة! وكان شقيقي الغالي نباتيّاً كما كنتُ كذلك، فإذا دخلت أجلس إلى طاولة وحدي وهو في طاولة وحده بلا كلام ولا سلام! كنتُ أرى ذلك طبيعيّاً في مسلكنا!

- ما لملمته من أخبار وشذرات ما هي إلّا غيض من فيض. أيّها الشقيق الصديق الغالي الذي يشبهني، أنت الآن في البرزخ، برزخ المعرفة القصوى ومعرفة للسرّ الأكبر وهو معنى الحياة ومعنى الموت ملتحماً مع الخالق العظيم تعرف كلّ شيء، ترانا ولا نراك. تسمعنا ولا نسمعك! لقد حظيتَ بالمعرفة الكبرى. أنت يا الله خلقتنا في أحسن تقويم. لكنّك أخفيت عنّا سرّ الموت. فعلى الإنسان أن يقوم بتجربته هو في مماته ربّما سعيداً أو فرحاً بالمعرفة الكبرى!

- مرّة حدَّثتُ الحكيم الغالي الذي سأبكيه طالما بكت الحمائم الهديل! نعم حدَّثته أنَّ في الدماغ غدة دينيّة أكان مؤمناً أو غير مؤمن. لكنّ تلك الغدّة هي التي تسيّر الإنسان، وظننت أنَّني اكتشفتُ شيئاً. وكنت في قاعة المحاضرات. فسمعت ضجيج الطلاب.. ثمّ دار الزمان لتكتب إليَّ إحدى طالباتي التي تتابع دراساتها العلميّة في فرنسا قائلة لي: لقد اكتشفت الغدّة وهي في أسفل المخيخ!

- ومرّة في قاعة المحاضرات قلتُ إنَّ في دماغ الإنسان الذكر غدّة وحشيّة فضحك الطلّاب كما الطالبات. وقلت هذا في إحدى زياراتي لمشرف رسالتي الدكتوراه، الدكتور جبرائيل جبّور، وكان ابنه الدكتور سهيل باحثاً طبيباً متخصِّصاً بالدماغ أستاذ باحث في مستشفى الجامعة الأمريكيّة ببيروت فنظر إليَّ ليقول لي: صحيح إنَّنا لم نكتشف مناطق الدماغ سوى 1/10! وهل تظنّين أنّك تقولين شعراً؟!

فقال: يا ثريّا نعم إنَّ الغدّة الوحشيّة عند الذكر متضخّمة، فضمّ أصابعه اليمنى واليسرى وقال هذه هي! أمّا عند المرأة فهي مضمرة! لعلّ غدّة الأمومة تطغى عليها، فهي تخاف من الاقتتال والدماء والقتل لتحمي وليدها!

وكنّا في حروب مؤلمة في لبنان وما تزال الأخبار مؤلمة!
كيف يستطيع إنسان أن يقطع رأس إنسان آخر بالسيف؟! يا الله ساعدنا على محننا الكثيرة التي لم تهدأ منذ الخليقة حتّى هذا اليوم! لم يكن الإنسان ليعرف ذلك فقالوا عن المسيح: فيه روح امرأة كذلك قالوها عن غاندي! ولكن حين يتدّرب الإنسان بالصلاة والدعوة إلى السلام ونبذ العنف تضمر تلك الغدّة قليلاً!! فسبحان الخالق الأعظم. خلقتنا، ميّزتنا بعقل نيّر وإرادة واختيار وحريّة لكي ننعم بالحياة ونكتشف الغوامض، ميّزتنا على سائر الكائنات الغريبة العجيبة!

كنتُ أحدّثه عن كلّ هذا كان يصغي ولا يعلّق صامتاً. وما كنتُ أسمعه منه سوى قوله سبحان الخالق العظيم.. وبئس الشيطان الرجيم وأبالسة الأرض والسماء!
- أطلب من الله الرحمة لنا جميعاً، للأنسان والكائنات. يا شقيقي وصديقي وشبيهي يا أيّها الغالي أنا جارتك في المقبرة. سنلتقي على الأرض كما في السماء! ويا أيّها الغالي الذي ترك فراغاً لا يصدّقه أحد! سأظلّ أبكيك. أبكيك. وأذكرك ليل نهار. صباح مساء. بكرة وأصيلا! يا ربّ نطلب منك الرحمة والمساعدة وأنا كلـّي يقين هو يرانا ونحن لا نراه. هو يسمعنا ونحن لا نسمعه. سيجيء ذلك اليوم ليكون برداً وسلاماً عليك. أيّها الشقيق الحكيم الغالي الذي يشبهني. متى تزول عنِّي الصدمة التي لم أتوقّعها أبداً أبداً. لكنَّني أراك كلّ أربعاء كما تريد! تدقّ الباب وتدخل لتطمئنّ عنِّي فأنا ما زلتُ المتألمة الحزينة المفجوعة.

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير