jo24_banner
jo24_banner

أهناك ذاكرة جماعية للاردنيين؟

د. حسن البراري
جو 24 :
كنت قد طرحتُ هذا التساؤل على صفحتي على الفيسبوك لعلني أجدُ اجابةً واضحةً أو على الاقل لعلني استشعرُ بوجود وعيّ لضرورة التفكير بذلك. وبعيدا عن السرديةِ التاريخيةِ لجماعة بشرية متخيّلةِ (وفقا لاندرسون) فإن بناءَ الأمة يستلزم وجود ذاكرة جماعية تكون شفويةً وانتقائيةً واحتفاليةً، وهذا هو جوهر رأي عالم الاجتماع موريس هالفاكس الذي يعد أول من قدم مفهوم الذاكرة الجماعية.

وعندما نتحدثُ عن الاردن علينا أن نفكرَ بمنطق سيكولوجيا الذاكرة وهنا لا بد من التفريق بين الذاكرة والتاريخ، فالأمران مختلفان بل ومتناقضان في جوانب عديدة، فالذاكرةُ تعد موروثاً ذهنياً يمثل تصوراً عن الماضي وتُقدمُ على شكل صورة تصل بمكانتها إلى القداسة. وهو أمر مختلف عن التأريخ ذلك الحقل المعرفي الذي يستند في أدواته إلى اعادة بناء الحقيقية التاريخية بشكل علمي ومنظم. والذاكرة بهذا المعنى غير معنية بالتاريخ لأنها أيضا تستلزم النسيان كمتطلب لبناء الأمة، فالذاكرة وفقا لبول ريكر هامة كمنظم للنسيان لأن الاخير قد يساهم في بناء الأمة.

للفلسطينيين مثلا ذاكرةٌ جماعيةٌ تعطيهم الاحساسَ بالفرادةِ وتمنح هويتهم صلابةً، فتحول أكثر من نصف الشعب الفلسطيني الى لاجئين خلقَ النكبةَ التي يجري احياء ذكراها كل عام، فالنكبةُ بهذا المعنى تشكل عنصرا اساسيا في الهوية الفلسطينية المتجذرة بقوتها كشجر السنديان. وبالمقابل قام الصهاينة بالتركيز على الهولوكست لخلق ذاكرة جماعية لليهود أعلت من قيمة الأمن، وفي سياق الاستمرارية يستحضر الاسرائيليون "عقدة مساداة" لتبرير سياساتهم الهجومية والرافضة لمنطق السلام. في الحالة الاسرائيلية لعب التعليم دورا هاما في ترسيخ هذه الذاكرة وهي بلا شك انتقائية واحتفالية لأنها تعطي الإسرائيليين الاحساس بالفرادة، وما التركيز على فكرة الاضطهاد التي عانى منها اليهود في أوروبا منذ محاكم التفتيش في اسبانيا إلى "تاجر البندقية" لشكسبير وانتشار ظاهرة الغيتو إلا اساسا انتقائيا لترسيخ فكرة الذاكرة الجماعية التي انتجت اجيالا لا تؤمن فقط بحق اليهود في فلسطين بل وفي انكار هذا الحق عن الفلسطينيين. وحتى "معسكر السلام" الإسرائيلي الذي يوافق على منح الفلسطينيين دولة في جزء من ارض فلسطين التاريخية لا يقوم بذلك انطلاقا من ايمانه بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإنما انطلاقا من ايمانهم بضرورة نقاء الدولة اليهودية ديمغرافيا وثقافيا. وهم يعرفون أن هذا "النقاء" لا يمكن له أن يتحقق إلا بالانفصال عن الفلسطينيين.

وعودة على بدء، أقول بأن الأردنيين أكتوا بنيران "الحذف" من التاريخ، فجل المؤرخين الغربيين والمستشرقين يرفضون الاشارة إلى أي حدث تاريخي واحد يربط بين الاردنيين وبين اقامة الدولة، فالدولة بهذا المعنى هي صناعة كولونيالية اقتضتها ضرورة ايجاد كيان وظيفي في المنطقة، والهوية وفقا لجوزيف مسعد هي كولنيالية التكوين! وقد وصل الحد إلى نقطة دفعت الكثير من الاردنيين إلى الايمان بأن الدور الوظيفي للنظام السياسي وللدولة هو المبرر الوحيد لقيام امارة شرق الأردن.

وحتى لا يبدو الأمر وكأنه مؤامرة، هناك بعض المؤرخين الأردنيين وظفوا امكاناتهم المعرفية وذكائهم (في سياق التكسب والاسترزاق) لترسيخ مقولة ترجع الفضل في قيام الأردن إلى الامير عبدالله والاسرة الهاشمية وتسقط من سرديتها للتاريخ أي دور حقيقي للشرق اردنيين، واحيانا يتم الاشارة باستحياء إلى مؤتمر أم قيس الذي سبق اقامة امارة شرق الأردن. وعزز من ذلك النظام التعليمي الذي أسقط من روايته دور الشخصيات الاردنية في بناء الدولة وقدمت دورهم وكأنهم كومبارس لا أكثر ولا أقل. والحق أن التاريخ الذي يُدرس في المدارس في الأردن ما بعد كولونيالي يخلو من الاشارة إلى اي تجربة مشتركة للأردنيين، فلا نكبة عند الاردنيين ولا هولوكوست!

الهوية الأردنية المتبلورة تستلزم ذاكرة جماعية لم يرغب الأردن الرسمي من خلال نظامه التعليمي في خلقها، وزاد من الطين بلة بالنسبة للأردنيين قيام دولة إسرائيل وتحول الأردن إلى مكان آمن لاستقبال الفائض البشري من الصراع مع الصهاينة، وقام الأردن بأردنة اللاجئين دون أن يخلق هوية مشتركة بذاكرة جماعية مشتركة. وهو أمر خلق ثنائيات ما زلنا نتلمس أثارها حتى هذا اليوم. وما الحديث عن الوحدة الوطنية كشعار إلا سحابة دخان تخفي خلفها حقيقة مختلفة، والأنكى أن الهويات الفرعية المتعددة تركز على "الحقوق المنقوصة" كوسيلة للكسب من الدولة.

وبالفعل ظهرت نخب "تمثل" كل الهويات الفرعية تلعب على وتر الانقسامات المجتمعية والمناطقية والاقليمية بل وتذكيها في سياق لعبة الحفاظ على مكتسباتها، وعندما تقود هذه النخب مفاصل الدولة فلا غرابة عندئذ التماثل مع سردية تغيب الأردنيين وبالتالي لا مجالَ للحديث (ناهيك عن خلق) ذاكرة جماعية للاردنيين. لم ندرس جيدا تجارب الآخرين، وهنا اختم بالاشارة إلى سياسة ديفيد بن غوريون التي أطلق عليها اسم "المملختيوت" وفيها اخضع النظام التعليمي الإسرائيلي كل الهويات الفرعية لمنطق الهوية الوطنية الجامعة ووظف في سبيل ذلك العداء مع العرب مستحضراً دور الخنزير سنوبول في رائعة جورج أوريل "مزرعة الحيوان" وهكذا تمكن من دمج السفاردين (الذين لم يعيشوا أي من تجارب الاشكناز في الهلوكوست والغيتو والاضطهاد) في مجتمع يعلي من قيم الاشكناز.
 
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير