فشل المرحلة
كتب د. حسن البراري - صورة محزنة للمآلات التي انتهى اليها مشروع الاصلاح الاردني المتمثل ببرلمان خطط له أن يكون خرزة زرقاء بعين الحسود. فبعد مرور أكثر من شهر ونصف على انتخاب المجلس، ثبت للقاصي والداني أن هناك حدودا لا يمكن للمجلس أن يتجاوزها، وبالتالي بدأ إحساس باليأس يخيم على المجلس أفضى إلى فوضى ربما غير مسبوقة نالت من سمعة المجلس ودفعت الكثيرين إلى استحضار تجربتنا المؤلمة مع المجلس السابق الذي فقد احترام الشارع بعد مرور اسابيع قليلة على "انتخابه."
أعضاء في المجلس لا يريدون أن يبدو المجلس وكأنه دمية تتلاعب بها مراكز القوى ولا يريدون لمجلسهم أن يكون جسرا لتمرير القرارات والسياسات غير الشعبية او ان يكون شوكة في خاصرة الشعب الذي لم يعد يتسامح مع أي برلمان يتساهل مع سياسات أفقرت البلاد والعباد، ومع ذلك فإن الظروف الموضوعية لا تسمح للمجلس ككل أن يكون غير ما شاهدناه، فهناك قوى متجذرة عملت على اعاقة الاصلاح السياسي وإقصاء القوى المنادية به توطئة لاستمرار الاستئثار بالسلطة والثروة حتى لو كان ذلك على حساب استمرارية البلد.
وبهذا المعنى فإن ما حدث من تطاول على رئيس الحكومة ومن عراك واستعراض مسلح على فجاجته ما كان ينبغي ان يفاجيء المراقبين، بل أن بعضهم حذر منذ اشهر طويلة من هذه النتيجة وقالوا أن قانون الانتخابات الاقصائي والتساهل مع المال السياسي سيفرزان مجلسا للنواب بهذه السويّة، وما كنا بحاجة الى زرقاء اليمامة لتستقرئ ما سيحدث لأن المقدمات توحي بالنتائج وربما للامر علاقة بقصة العطار الذي لم ينجح في اصلاح ما أفسده الدهر.
الراهن اننا لا نسير على السكة الصحيحة, وبالتالي فإن أي اصرار على أن الأمور بخير ويمكن تجاوزها وأن ما حدث هو زوبعة في فنجان لا يمكن فهمه إلا في سياق استمرار نهج التضليل الممنهج وخلق قنابل دخانية لتخفي خلفها حقيقة جاثمة وقبيحة.
الورقة النقاشية الثالثة التي كتبها الملك وتحدثت عن نخب جديدة وحكومات برلمانية لا يمكن لها ان تصمد أمام حقائق على الأرض، فإنتاج النخب بحاجة إلى ديناميكية وسيرورة أبت القوى المتنفذه ان تترك لها مجالا او متسعا وذلك خشية هبوب رياح التغيير التي حتما ستطيح بهذه العصبة وبامتيازاتها وستكشف فسادها وافسادها.
انتاج النخب لا يأتي بقرار وإنما يأتي تعبيرا عن سياق لم يتوفر بعد، فالغالبية فضلت عدم المشاركة بلعبة سقيمة ولم تتقبل فكرة التغيير من داخل المجلس لأن أي مجلس وفق هذا القانون لا يمكن له أن ينجح. أما الحكومات البرلمانية فهي امر صعب المنال لأن القوانين الناظمة للعمل السياسي لا يمكن لها انتاج برلمان افضل من البرلمان الحالي.
بعيدا عن اخفاقات المجلس المتتالية، فإن النتيجة الوحيدة الماثلة للعيان هي أن النخب التي ادارت المرحلة التي سبقت الانتخابات- وتم مكافأة بعضها- قد خذلت الشعب وعليها أن ترحل. ولا يعقل أن يكون النسور وخليفات اسماء مطروحة لقيادة المرحلة المقبلة، والاصرار على أي منهما انما يعبر عن استهانة رسمية بذكاء المواطن الأردني.
المطلوب ليس ذرف دموع التماسيح على حال الموازنة من قبل بعض الانتهازيين الطامحين وكأن ذلك احد مؤهلات شغل وظيفة رئيس حكومة وإنما المطلوب تغيير قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية ووضع خارطة طريق مع معايير نجاح قابلة للقياس. إذا كان قانون الانتخابات هو السلاح الاشد مضاء في تقويض الحياة السياسية الصحية في الاردن فالمطلوب تغييره فورا، وهناك صيغ جاهزة مثل صيغة لجنة الحوار الوطني. وكذلك لا بد من اعادة النظر بقانون الاحزاب حتى تنضج الحالة الحزبية بدلا من ان تستمر في هذه الحالة التي اصبحت مثارا للتندر.
بكلمة، لم يعد الوضع يحتمل وربما ستنهي فترة السماح الممنوحه للجميع وستطرح عندها اسئلة لا يمكن للنخب الحاكمة الاجابة عليها!








