jo24_banner
jo24_banner

حتى يستقيم الأمر

د. حسن البراري
جو 24 : مؤخرا، استرعى انتباهي امر في غاية الأهمية، فهذه الحكومة التي بالكاد نالت ثقة متواضعة (من مجلس لم يفلح في تغيير الآلية أو قواعد اللعبة التقليدية في طريقة تشكيل الحكومات) ستعمل وسط بيئة سياسية مختلفة عما شهدناه في الماضي. ففي وقت ينزلق فيه البلد للتورط في ملفات اقليمية مفتوحة الاحتمالات استجابة لتحولات خارج نطاق قدرة وتأثير الاردن فأن الطريقة التي حصلت عليها الحكومة على الثقة لم تفض الى انفراج سياسي بل فاقمت من حدة الاحتقان والتجاذبات والاستقطابات الحادة داخل مجلس النواب نفسه وربما تجد الحكومة نفسها عاجزة في الاسابيع القادمة عن العمل بفعالية وكفاءة في حال تحول الوضع في جنوب سوريا الى جحيم.

وأكثر ما نحتاج إليه هذه الأيام هو العمل الدؤوب لتوحيد المجتمع توطئة للتعامل مع تحديات الازمة السورية، وطبعا لن يتحقق ذلك عن طريق الفزعة أو شحذ الهمم أو خلق فزاعات جديدة وانما يتأتى ذلك فقط نتيجة لسياسات راشدة وواعية تتلمس الواقع ولا تقفز عنه.

في البداية يمكن القول أن مارثون الثقة كشف عن أمرين يجب التوقف عندهما: أولا، هشاشة وعدم جدية الكتل النيابية، وثانيا، الحاجة الى اغلبية برلمانية تتكئ عليها الحكومة على أن يرافق ذلك تشكيل معارضة داخل البرلمان. فحتى ننجح في تأسيس حالة من العمل السياسي المحترم هناك ضرورة لأن تتكئ الحكومة على اغلبية نيابية ،والتي من دونها لن تتمكن الحكومة من العمل وفق البرنامج الذي نالت بموجبه الثقة. وعلى نحو متزامن هناك حاجة ماسة لتشكيل معارضة للحكومة في البرلمان تستطيع أن تراقب أداء الحكومة وتطرح البدائل حتى لا تتغول الحكومة على كل شيء وبخاصة بعد أن تم تحييد الذين منحوا الثقة من عملية الرقابة من خلال عدد من الخطوات أولها وليس أخرها التوزير المنتظر!

وهذا يطرح سؤالا يتعلق بجدوى وجود الكتل النيابية بشكلها الحالي بعد أن ثبتت هلاميتها وضعفها وتفككها وسقوطها في امتحان الثقة. فكيف لكتلة حجب عدد من اعضائها ومنح آخرون الثقة لحكومة النسور أن تستمر وكأن شيئا لم يحدث؟ كيف يمكن ان تستمر الكتلة بعد أن يتحول المانحون للثقة ليصبحوا جزءا من ائتلاف نيابي تتكئ عليه حكومة النسور؟ وكيف سيكون موقف حاجبي الثقة بعد أن يتم توزير زملاء لهم من نفس الكتل، هل سينضمون الى الائتلاف الحكومي لدعم حكومة كانوا قد حجبوا عنها الثقة وقالوا فيها كلاما لم يقله مالك بالخمر؟!

لا نريد ان تكون الثقة وجدليتها المشجب الذي نعلق عليه كل ما يجري من تشكيك وتشكيك مضاد ومن اتهام واتهام مضاد ،ولا نريد أن ننظر فقط للنصف الفارغ من الكاس، لكننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن كون موضوع الثقة العلامة الفارقة التي دفعت الكثير منا للحكم على النائب سلبا أو ايجابا، وبخاصة بعد أن تجسد حالة اشبعناهم شتما وفازوا بالابل.

كتبنا غير مرة عن ضرورة استعادة هيبة مجلس النواب كمؤسسة للشعب وضروة تجسير فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات وبخاصة مجلس النواب الذي كشفت استطلاعات رأي علمية أن غالبية اردنية ما زالت تنظر للمجلس بنوع من السلبية. وربما لا يقيم بعض اعضاء المجلس وزنا للشارع على اعتبار انهم وصلوا ليس بقوة الشارع ولكن بوسائل معروفة يمكن تكرارها في المستقبل بحيث تضمن عودتهم إلى أي برلمان قادم بصرف النظر عن رأي الشارع بالمجلس، وهذا ما أنتج حالة من الانقطاع بين اعضاء محددين بالمجلس مع الشارع! لكن هذا ليس حال كل النواب، فمنهم من يأخذ عمله كنائب للوطن على محمل الجد، لذلك لا يمكن اطلاق تعميمات.

وعلى ضوء ما سبق يتحدث البعض فكرة تنفع تمرينا ذهنيا وربما عمليا للسادة النواب وهي فكرة تدور حول اعادة تشكيل الكتل على اساس عدم بقاء مانحي الثقة وحاجبيها من نفس الكتلة في الكتلة ذاتها، وهذا يسمح بديناميكية مختلفة داخل اروقة مجلس النواب .وتحت القبة ما يسمح بتشكيل ليس حكومة ظل كما طرح احد النواب المحترمين ولكن معارضة للحكومة يكون على رأسها كتلة أو شخص محدد، ويرى البعض أن من شأن ذلك تغيير قواعد اللعبة النيابية وخروجها من الشكل التقليدي السقيم الذي لا يروق للشارع في الماضي ولا في الحاضر.

فقدرة الاردن على تحقيق استقرار سياسي يحتاج الى معارضة بالبرلمان حتى لا تبقى المعارضة خارجة، وهي معارضة وطنية ليس من الحكمة بشيء النيل منها الا اذا كنا نعيش في مجتمع عبيد ورعايا، وليس في المجتمع مواطنون. في السويد مثلا أو في بريطانيا لا تخوّن المعارضة ولا تستهدف ولا تحارب بل على العكس تماما يتم احترامها واحترام دورها واسهاماتها في الحياة العامة الى درجة انها تسمى بمعارضة جلالة الملكة في بريطانيا وتسمى أيضا بالمعارضة الموالية والمعارضة الرسمية، فالمعارضة لها وظائف تقوم بها فهي لا تعارض فقط من أجل المعارضة، ولا يقتصر موقفها بقول كلمة ‘لا’ على اعتبار أن المطلوب هو تسجيل موقف فقط.

فلا تكتمل صورة الحكم الرشيد الا بوجود طرفي المعادلة: حكومة والمعارضة. والمكان الطبيعي للمعارضة هو البرلمان وليس الشارع، وهذا لا يعني أن المعارضة لا تشارك في نشاطات خارج البرلمان، لكن الوظيفة الرئيسة للمعارضة هي العمل تحت قبة البرلمان لتقوم بما يلي: أولا، اسماع صوتها، التأثير على التشريع، وطرح بدائل حتى يكون قرار الحكومة مستندا الى معلومات ووجهات نظر مختلفة، بمعنى أن المعارضة بمعارضتها للحكومة إنما تساعد على تجويد وتحسين التشريعات والقرارات وليس الوقوف بوجهها وتعطيل اعمالها واعاقة تحركها كما في حالة أل filibuster على اعتبار أن ذلك هو انجاز يسجل للمعارضة.

وهنا نسأل مالذي يمنع أن يكون للملك معارضة كما أن له حكومة تأتمر بأمره ؟ ففي بريطانيا تسمى designated opposition بمعنى معارضة معينة لتقوم بمهام محدده، لكن للأسف في الاردن تتم شيطنة المعارضة من خلال السيطرة على الاعلام وتغييب الرأي الآخر والاستعانة بكتاب التدخل السريع لخلق رأي عام مشوه عن المعارضة وكأنها رجس من عمل الشيطان. وقد قرأنا كتابات وآراء ساذجة حاولت أن تظهر من حجب الثقة عن حكومة النسور بأنه في خندق الفساد والافساد. والشيء بالشيء يذكر لا يجوز للمعارضة أن تقوم بدور مماثل في شيطنة كل من يخالفها، والنتيجة أن الملك لديه حكومة ولكن ليس لديه معارضة.

على أن الأمر ليس بهذه البساطة، فالأمر يحتاج إلى نظام حزبي وهو غائب ولا توجد لغاية الآن جهود لتعزيز العمل الحزبي بسبب المضايقات الرسمية، وبسبب انتشار ثقافة شعبية معادية للاحزاب. وحتى يكون الاردن مستقرا على مدار السنوات القادمة هناك حاجة لتغيير الأمر القائم وتشجيع العمل الحزبي بدلا من التضييق عليه، وإلى أن يتم ذلك لن تكون هناك معارضة لجلالة الملك في حين ستكون له حكومة تسحب من رصيد الحكم التاريخي وربما جزءا من شرعيته

وربما لا يمتلك الاردن ترف الانتظار لنضوج احزاب سياسية، لكن يمكن العمل على انضاج ائتلاف معارضة بالبرلمان يراقب الحكومة ويطرح بها الثقة إن لزم الأمر ،وائتلاف يدافع عن الحكومة على اعتبار انها تمثل رؤيته السياسية. ربما يساهم هذا الأمر في تغيير الانطباع السائد عن البرلمان ويساعد الاردن في التصدي للتحديات القادمة من الشمال.
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير