jo24_banner
jo24_banner

هكذا يخططون !!

د. حسن البراري
جو 24 :

انحياز الاردن الرسمي للانقلاب العسكري على أهم تجربة ديمقراطية عربية له- من وجهة نظر رأس الدولة- ما يبرره تكتيكيا واستراتيجيا. فهناك ملفان شائكان يتطلب التعامل معهما اضعاف الاخوان المسلمين محليا واقليميا وهما: اولا، تحضير الاردن للتعامل مع استحقاقات عملية سلام يسعى لها  دون أي كلل او ملل، حتى يقبض ثمن دوره في ملف اللاجئين، ويؤدي دوره المنتظر في الضفة الغربية. ثانيا، ما زالت النخب الحاكمة بالاردن تريد الاستئثار بالحكم وتفصيل الاصلاح بشكل استباقي ودفاعي يحفظ لهذه النخب موقعها المؤثر والمهيمن، لأن الدولة لا تستيطع تحمل الكلفة السياسية لمحاربة الفاسدين واصلاح النظام.

وينتاب النخب الحاكمة قلق حقيقي من حركة الاخوان المسلمين ودورها المتنامي في المنطقة، فوجودهم في الساحة وفي موقع القيادة والتأثير الاقليمي في بلد مثل مصر، يثير الرعب في قلوب دول محور الاعتدال، التي ترى بهم "ذئابا في ثياب حملان،" لهذا يستثمر الاردن ومن معه من دول الاعتدال العربي ما جرى بمصر لاستعادة مصر في لعبة اقليمية بدت تتضح معالمها مع مشروع كيري غرب النهر.

فالحسابات الرسمية الاردنية ترى ان هناك فرصة اقليمية مواتية لدفع عملية السلام باتجاه يوفر لها موارد جديدة هي بأمس الحاجة اليها ليستمر النظام مستقرا ومن دون تحديات داخلية. فسوريا مشغولة بحرب اهلية قد يسقط فيها النظام، والعلاقة بين حماس وايران تعرضت لضربة كبيرة نتيجة للتضارب في موقفيهما حيال الملف السوري، والجيش المصري ضرب الاخوان المسلمين بمقتل وهو مستعد لخنق حماس، وحزب الله متورط في سوريا. لهذا يرى الاردن ان محور الممانعة يتعرض لانتكاسة خطرة وان ثمة فرصة لمحور الاعتدال العربي بقيادة السعودية لامتلاك زمام المبادرة للمرة الأولى منذ عقد من الزمان. فلا يمكن للممانعة- حسب هذه القراءة- ان تعلب دور المخرب (spoiler) وتعطل العملية برمتها كما حدث في غير مناسبة.

ويشارك الاردن في هذا الراي الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي سارع هو بدوره لزيارة مصر لتأييد الانقلاب العسكري ضد الاخوان لأسبابه الخاصة، منها التنافس مع حماس، والبحث عن مظلة اقليمية بحجم مصر، ففي التفكير الفلسطيني الرسمي يمكن للاردن ان يعلب دورا في التعامل مع مخرجات حل القضية بشكل يخدم الجانب الفلسطيني، لكن الاردن لا يمكن ان يشكل مظلة اقليمية عند ساعة الجد وعند تقديم التنازلات المؤلمة للجانب الاسرائيلي.

ويبدو ان الطرف العربي جاهز لتسوية اقليمية بعد ان وافق العرب من خلال وفد الجامعة العربية بقيادة قطر على مبدأ تبادل الاراضي بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني، وكان ذلك امرا مطلوبا بعد ان تعلم الجانب الاميركي درس كامب ديفيد، وهو ان التنازل في ملف القدس كان يحتاج لدعم عربي لم توفره هذه الدول للراحل عرفات، عندما وضع ملف القدس على طاولة البحث في تموز من العام ٢٠٠٠.

وقد بذل الاردن جهدا كبيرا لمساعدة جون كيري في مسعاه لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بشروط مواتية للطرف الاسرائيلي، ودفعت اطراف عربية الرئيس عباس الى الموافقة على استئناف المفاوضات من دون شرط وقف وتجميد الاستيطان! وهكذا تمكن العرب من تأهيل محمود عباس ليكون شريكا مرة أخرى لعله يقدم التنازلات المطلوبة اميركيا واسرائيليا ويوقع اتفاقية سلام او اتفاقية دولة بحدود مؤقتة، تدخل في علاقات مع الاردن قد تكون كونفدرالية او ضمن اي صيغة تشرعن تدخل الاردن بالضفة الغربية لتوفير المظلة الامنية لاسرائيل.

وما التحرش بالاخوان المسلمين ودعوات حل الجماعة او حتى التخلص منهم والتي تأتي من الاعلام الرسمي الموجه، الا بداية مخاض اردني جديد يهدف الى تليين الجبهة الداخلية، فبعد ان ثبت ان الحراك ضعيف وهو مطلبي بالدرجة الاولى وليس سياسيا، ترى الدولة الاردنية ان العائق السياسي الذي يشكل تحديا جديا لها يتمثل بالاخوان المسلمين وليس غيرهم، وتقتضي مصلحة الدولة- كما تراها النخب الحاكمة- اضعافهم داخليا، حتى يتسنى للاردن المضي في مشروع اقليمي يساعد النظام على زيادة موارده وتحقيق درجة من الرخاء تنهي الحراك مرة وللأبد.

هذه الحسابات الاردنية تستند على فرضية ان الدولة العميقة بمصر انتصرت وان ما يجري ما هو الا في سياق التشطيب السياسي، وان الاردن لم يعد مكشوفا استراتيجيا كما كان ايام مرسي. لذلك يأتي الاستعجال الاردني لاستئناف مفاوضات السلام بين اسرائيل وبين السلطة الفلسطينية، وهو ما اخذ طابع الجدية مع تعيين مارتن ايندك مبعوثا لعملية السلام.

باختصار اصبح اقصاء الاسلاميين مطلبا لدول محور الاعتدال العربي التي تدعم التحولات المعاكسة والتي باتت ترى أن الاستقرار يتطلب العودة الى المربع الاول حتى لو كان ذلك يستلزم طي صفحة الخلاف مع اسرائيل، وهذا ما خلق اجواء من التعبئة ضد الاسلاميين بعد ان وجد حلفاء اميركا (الاردن والكويت والسعودية والامارات) فرصة جديدة لامتلاك زمام المبادرة.

لكن هناك اسئلة جدية تستحق التوقف عندها وحبذا لو ان الاردن الرسمي يأخذها بعين الاعتبار وهو مقبل على مغامرة قد لا تكون محسوبة بدقة، فمثلا، هل درس الاردن المدى الذي يمكن لاسرائيل ان تبلغه في ظل انزياح المجتمع الاسرائيلي نحو اليمين؟ ما هي الخطة البديلة في حال فشلت المفاوضات وانكشف بؤس المقاربة الرسمية في السياسة الخارجية؟ ماذا لو لم تتمكن مصر من حسم المعركة الداخلية بما يساعد معسكر الاعتدال العربي على قيادة المنطقة؟ هل حصل الاردن على وعود مالية خليجية في حال فشل المغامرة الكبرى؟ ولماذا لم يطلب الاردن بقوة من الخليج ان يدعمه كما دعم مصر؟ نطرح هذه الاسئلة لأن النخب الاردنية التي وصلت للحكم وبدأت بسياسات خطرة منذ عقد ونيف تعتقد ان اخراج الاردن من مازقه الاقتصادي يتطلب حل القضية الفلسطينية، بمعنى ان معادلة الاستقرار الداخلية تأتي من الخارج!

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير