الشيخ ياسين العجلوني العثامنة… العالم المجاهد الذي جمع بين المنبر والبندقية
في سجلّ الكفاح الوطني الأردني والفلسطيني، تتلألأ أسماء قليلة جمعت بين سلاح العلم وسلاح الجهاد، وكان من أبرزها الشيخ المجاهد ياسين عثمان ياسين العجلوني العثامنة، أحد رجالات الصريح الذين خطّوا صفحات مضيئة في تاريخ الأمة، وتركوا أثراً لا يُمحى في الذاكرة الوطنية والعربية والإسلامية.
وُلد الشيخ ياسين عام 1897 في بلدة الصريح بمحافظة إربد، في زمن كانت فيه بلاد الشام تغلي تحت وطأة الاستعمار وأوج الطموح القومي والنهضة الدينية. منذ شبابه، اتجه نحو طلب العلم الشرعي، فغادر عام 1920 إلى دمشق ليتتلمذ على يد كبار العلماء في جامع تنكز، ومنهم العلامة بدر الدين الحسني والعلامة علي الدقر، حيث نهل من معينهم علوم الشريعة والتفسير والحديث واللغة بالإضافة الى الوطنية وروح الجهاد. ومعروف عن هذين العالِمَين الجليلين انهما قادا جهودًا وطنية خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، حيث كانا من القادة البارزين الذين دعوا الشعب السوري لمواجهة الاحتلال من خلال جمع السلاح وتدريب المقاتلين.
لم يكن العلم عند الشيخ ياسين غاية شخصية، بل رسالة؛ فبعد عودته إلى الصريح أقنع عدداً من أبناء بلدته وأقاربه بالسفر إلى الشام لطلب العلم، فخرجت على يديه نخبة من العلماء حملوا مشعل الفقه والتربية في شمال الأردن لعقود لاحقة.
منبر العلم وساحة الجهاد
لم يكتفِ الشيخ العجلوني بالتعليم والدعوة، بل انخرط مبكراً في حركات المقاومة المسلحة ضد المستعمرين، فشارك في الثورة السورية الكبرى عام 1925 إلى جانب القائد يوسف العظمة، ثم التحق بصفوف المجاهدين في ثورة 1936 في فلسطين مع الشهيد عز الدين القسام والعلامة عبد الرحمن النعسان ورفاقهم من علماء الشام.
برز اسمه لاحقاً في المؤتمر المشترك للحركتين الوطنيتين الأردنية والفلسطينية الذي عقد في دمشق عام 1938، والذي أسّس لقيادة مشتركة لتنسيق الجهود ضد البريطانيين والعصابات الصهيونية، وتكثيف عمليات شراء السلاح وتخزينه في مخابىء آمنة، وتدريب المناضلين، وتشكـَّـلت قيادة أردنية فلسطينية مشتركة لتنسيق الجهود في التصدِّي للمستعمرين الإنجليز وللعصابات اليهودية المدعومة من الإنجليز. وكان الشيخ ياسين من أبرز ممثلي الحركة الوطنية الأردنية في تلك القيادة إلى جانب شخصيات مثل الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة والمحامي أمين الخصاونة وأحمد الشهابي وسليمان السودي الروسان ومحمود الخالد الغرايبة وعمر فائق الشلبي وعقاب الظاهر المقداد.
معارك العزة والبأس الأردني
قاد الشيخ ياسين وشارك في عدد من المعارك ضد القوات البريطانية في شمال الأردن تحت مظلة القيادة الموحدة للمجاهدين الأردنيين والفلسطينيين، كان من أبرزها معركة "وادي سيرين" ومعركة "بيت إيدس"، وهي معارك عنيفة كبّدت المحتلين خسائر فادحة، وأظهرت شجاعة وبأس المجاهدين الأردنيين والفلسطينيين الموحدين تحت راية المقاومة.
في "وادي سيرين" يوم 11 آذار / مارس 1939م على طريق إربد دير أبي سعيد/الأغوار الشمالية، حاصر المجاهدون قوة إنجليزية كبيرة، مما اضطر البريطانيين إلى استخدام الطيران الحربي لفك الحصار، واستُشهد في تلك المعركة 21 مجاهداً، من بينهم بعض جنود الجيش العربي الأردني الذين كانوا عند وقوع المعركة في مكان قريب فسارعوا لنجدة إخوانهم المجاهدين.
وكان قد سبق معركة "وادي سيرين" بأيام قليلة معركة أخرى خاضها المجاهدون الأردنيون، من بينهم الشيخ ياسين، ضد قوة عسكرية من المحتلين الإنجليز في موقع "رأس برقش" الواقع في الجهة الشرقية من بلدة "بيت إيدس" في شمال الأردن ارتقى فيها المجاهد علي نظام البشتاوي من الأغوار الشمالية والمجاهد علي الزغول من كفرنجة شهيدين بإذن الله.
إمام الجيش ومربي الأجيال
في عام 1945 التحق الشيخ ياسين بالجيش العربي الأردني إماماً لكتيبة المشاة في عجلون، وامتاز بمواقفه الجريئة، فكان يرفض مصافحة كلوب باشا أو حضور اجتماعاته، معتبراً ذلك موقفاً مبدئياً من مستعمرٍ لا شرعية له على أرض العرب. لم يتوقف عن التعليم والدعوة، فظل يجوب القرى يُعلّم الناس، ويقيم مجالس الذكر في المساجد، حتى بعد نكبة 1948، حين خدم في القدس وألقى خطبة الجمعة في المسجد الأقصى، وعقد مجالس الذكر في مسجد جبل الزيتون شمال بلدة العيزرية. وتمسك باستقلالية الفتوى حين عُرض عليه لاحقاً تولي منصب المفتي العام للجيش الأردني، لكنه رفضه قائلاً إن المفتي لا يجب أن يخضع للأوامر العسكرية، فاختار التقاعد الطوعي عام 1962، محتفظاً بمكانته المرموقة بين رجالات الدين والوطن.
إرث خالد في الذاكرة الوطنية
كان الشيخ ياسين يُعرف بين معاصريه بلقب "أبو الأربع ظفائر" لهيئته الفريدة التي تجمع بين البساطة والوقار، وقد ظل مثالا للعالِم المجاهد، لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يُغريه منصب أو جاه.وفي الخامس عشر من نيسان عام 1981، ترجّل هذا الفارس بعد حياة حافلة بالعطاء والجهاد، ودُفن في دمشق – مقبرة الشهداء، تكريماً له ولمسيرته.
رحل الشيخ المجاهد ياسين العجلوني، لكن ذكراه بقيت حية في الصريح والوطن، وفي ذاكرة القدس وفلسطين، شاهداً على تلاحم الدم الأردني والفلسطيني في معركة التحرر. لقد كان رمزاً للعالِم المجاهد، الذي آمن بأن العلم والسلاح جناحان لا ينفصلان في معركة الحرية والكرامة. ما أحوج الأجيال الجديدة اليوم إلى استلهام سيرته، لتدرك أن الدفاع عن الأوطان يبدأ من بناء الوعي، وأن العلماء المجاهدين هم ضمير الأمة الحيّ وسدنتها الأوفياء.








