jo24_banner
jo24_banner

ترامب ومنطق البلطجة: حين تتحول القوة العظمى إلى دولة تهديد وابتزاز

اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
جو 24 :


لم يعد سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه قادة العالم، وخصوصًا قادة دول العالم الثالث، مجرد خروج عن الأعراف الدبلوماسية، بل بات نموذجًا فجًّا لسياسة قائمة على التهديد المباشر والابتزاز العلني، وكأن العلاقات الدولية تُدار بمنطق العصابات لا بمنطق الدول والمؤسسات والمصالح المشتركة. فالاعتداء الأمريكي الأخير على فنزويلا، وما رافقه من اختطاف رئيسها وزوجته، وتلفيق تهم جاهزة لهما خارج أي إطار قانوني دولي، يكشفان مجددًا عن عقلية سياسية لا تعترف بالسيادة ولا بالقانون، ولا ترى في الدول الضعيفة سوى ساحات مفتوحة للإستغلال والعقاب.

ترامب لا يتعامل مع زعماء الدول كشركاء أو حتى خصوم سياسيين، بل كـ"تابعين" او بالمصطلح الأردني التقليدي كـ"شرابيش خرج" يفترض أن يدوروا في الفلك الأمريكي، ويأتمروا بأوامره، ويحققوا مصالح واشنطن دون نقاش وعلى حساب مصالحهم الوطنية. ومن يخرج عن هذا المسار، يُهدَّد علنًا، ويُعاقَب اقتصاديًا، أو يُستهدَف سياسيًا، وربما أمنيًا. هذه ليست سياسة دولة عظمى واثقة بنفسها، بل سلوك قوة مرتبكة تستخدم البطش لتعويض تراجع نفوذها الأخلاقي والسياسي.

التهديد الصريح الذي وجهه ترامب إلى الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، بعد تعهدها بالدفاع عن بلادها، يمثل ذروة هذا الانحدار السياسي. قوله: "ستدفع ثمناً باهظاً يفوق ثمن مادورو إن لم تفعل الصواب" ليس مجرد تصريح متشنج، بل إعلان واضح بأن "الصواب" في قاموس ترامب لا يعني احترام إرادة الشعوب أو القوانين الدولية، بل الخضوع الكامل للإملاءات والمصالح الأمريكية. إنه خطاب يقوم على الترهيب، ويختزل السياسة الخارجية في معادلة بدائية: إمّا الطاعة العمياء، أو العقاب.

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يقتصر على فنزويلا، بل يعكس رؤية ترامب للعالم بأسره، وخصوصًا دول الجنوب ومنها بالطبع الدول العربية. فهذه الدول، في نظره، ليست كيانات ذات سيادة، بل أدوات وظيفية أو أهدافًا محتملة للضغط والنهب والعقاب. وهو منطق يعيد إلى الأذهان أسوأ مراحل الاستعمار، حين كانت القوة العسكرية والاقتصادية تُستخدم لإخضاع الدول لا للتعاون معها.

إن هذا النهج غير العقلاني لا يهدد فقط استقرار الدول المستهدفة، بل يقوّض أسس النظام الدولي برمته. فحين تتصرف الولايات المتحدة بهذه الخفة والعدوانية، فإنها تدفع العالم نحو مزيد من الفوضى، وتسرّع في فقدانها لمكانتها المعنوية، وتفتح الباب أمام قوى دولية أخرى لملء الفراغ. القوة العظمى التي تحكم بالتهديد لا تبني نظامًا عالميًا، بل تكتب بيدها بداية أفولها.

في النهاية، ما يكشفه سلوك ترامب ليس قوة أمريكا، بل هشاشتها السياسية والحضارية والإنسانية، وعجزها عن إدارة عالم متعدد الأقطاب بلغة العقل والقانون والإحترام المتبادل. أما دول العالم الثالث، فبات واضحًا أنها أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في سياسة الخضوع الفردي، أو السعي إلى موقف جماعي أكثر استقلالًا يضع حدًا لزمن البلطجة المقنّعة بشعارات الحرية والديمقراطية ومحاربة الإرهاب والحفاظ على حقوق الأقليات والدفاع عن حقوق الطفل والمرأة!


كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير