التدخين متعة اليوم، ألم الغد: نحو جيل واعٍ وصحّي
د. عدلي قندح
جو 24 :
أولًا: ظاهرة تتجاوز السلوك الفردي
يشهد الأردن تصاعدًا مقلقًا في معدلات التدخين بين الشباب والصبايا على حد سواء، في ظاهرة لم تعد سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تحولت إلى نمط اجتماعي واسع الانتشار يهدد الصحة العامة، ويستنزف الموارد الاقتصادية، ويقوّض فرص التنمية المستدامة. الأخطر أن سنّ البدء بالتدخين ينخفض تدريجيًا بين الجنسين، ما يعني ترسيخ الإدمان في مراحل عمرية مبكرة يصعب علاجها لاحقًا، ويحوّل التدخين إلى عبء صحي طويل الأمد على الفرد والدولة معًا.
ثانيًا: الواقع الإحصائي والاقتصادي للتدخين في الأردن
تشير أحدث البيانات إلى أن نسبة انتشار التدخين بين الأردنيين بلغت مستويات مقلقة مقارنة بالعديد من دول العالم. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية وتقارير وطنية، بلغ معدل استخدام التبغ بين الأفراد فوق 15 عامًا حوالي 36.3%، فيما تشير بعض المسوح إلى أن أكثر من 51.6% من الأردنيين يستخدمون نوعًا من منتجات التبغ، بما في ذلك السجائر والشيشة والإلكترونية.
وتتباين النسب بين الجنسين، إذ تصل نسبة التدخين بين الذكور إلى أكثر من 70% في بعض الدراسات، بينما تسجل نسبة الإناث المدخنات نحو 28.8%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بدول المنطقة.
ولا يقتصر التأثير على الصحة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني والأسر الأردنية. فقد أظهرت الدراسات أن الخسائر الاقتصادية السنوية الناتجة عن التدخين تصل إلى حوالي 1.6 مليار دينار أردني (ما يقارب 6% من الناتج المحلي الإجمالي) عند احتساب نفقات الرعاية الصحية وفقدان الإنتاجية والوفيات المبكرة. كما أن متوسط الإنفاق السنوي للأسر الأردنية على منتجات التبغ يصل إلى نحو 540 دينارًا أردنيًا، ويشكل حوالي 4.4% من نفقات الأسرة الإجمالية، وهو ما يفوق أحيانًا ما يُنفق على الغذاء أو التعليم أو الرعاية الصحية الأساسية. وتشير التقديرات إلى أن التدخين يتسبب في حوالي 9,000 وفاة مبكرة سنويًا في الأردن نتيجة أمراض السرطان والقلب والرئة.
وعالميًا، بينما تسجّل أغلب الدول انخفاضًا تدريجيًا في معدلات التدخين، يعد الأردن من بين الدول القليلة التي تسجل ارتفاعًا في استخدام التبغ مقارنة بفترات سابقة، في حين تحاول بعض الدول خفض هذه النسبة إلى أقل من 5% من السكان.
ثالثًا: الأسباب العميقة لتفاقم التدخين بين الشباب والصبايا
تتعدد أسباب تفاقم ظاهرة التدخين، وتشمل سهولة الوصول إلى منتجات التبغ، وانخفاض أسعارها نسبيًا، وضعف الوعي الصحي المبكر بمخاطرها، إضافة إلى التأثير الاجتماعي والإعلامي الذي يقدّم التدخين كرمز للنضج أو التمرّد أو الانتماء الاجتماعي.
ومن الأسباب الجوهرية التي تغذي ارتفاع أعداد المدخنين السلوك الأسري والاجتماعي المتساهل مع التدخين. فعندما يشاهد الأبناء الآباء أو الأمهات يدخنون أمامهم داخل المنازل، وفي غرف النوم والمطابخ، يتحول التدخين من سلوك مرفوض إلى ممارسة يومية طبيعية مرتبطة بالراحة أو المزاج. ويتعمّق هذا التطبيع حين يُستخدم التدخين في الحفلات والمناسبات الاجتماعية كوسيلة للتسلية أو كسر الجليد، ويُمارس أحيانًا ضغط اجتماعي غير مباشر على غير المدخنين، خصوصًا الشباب والصبايا، لمشاركتهم التدخين "على سبيل التجربة” أو المجاملة أو الانتماء للمجموعة.
ولا يقل خطورة عن ذلك التمييز الإيجابي للمدخنين في المطاعم والمقاهي، حيث تُمنح لهم أفضل الأماكن، بينما يُهمَّش غير المدخنين أو يُطلب منهم التكيّف مع بيئة ملوثة بالدخان. هذا الواقع يعكس اختلالًا في القيم الصحية والاجتماعية، ويبعث برسالة معاكسة لمفهوم الصحة العامة.
رابعًا: المستشفيات كنقطة ضعف خطيرة في الرسالة الصحية
من أخطر أسباب ترسيخ ثقافة التدخين التساهل المؤسسي معه في أكثر الأماكن التي يُفترض أن تكون نموذجًا صارمًا للانضباط الصحي، وفي مقدمتها المستشفيات، ولا سيما الحكومية والعسكرية منها. فرغم التعليمات، يُلاحظ تدخين مرضى داخل غرفهم، ومرافقين في الممرات والكوريدورات، وأحيانًا داخل غرف المرضى نفسها، في ظل ضعف الرقابة أو التردد في فرض العقوبات.
هذا التساهل يوجّه رسالة شديدة السلبية إلى المجتمع، وخصوصًا الشباب والصبايا، مفادها أن التدخين سلوك مقبول حتى داخل مؤسسات العلاج. وعندما تفشل أعلى سلطة رمزية للصحة في فرض بيئة خالية من الدخان، تفقد حملات التوعية جزءًا كبيرًا من مصداقيتها، ويتحوّل المنع القانوني إلى إجراء شكلي لا يغيّر السلوك فعليًا.
خامسًا: متعة مؤقتة… وكلفة مؤلمة مؤجلة
من أكثر المفاهيم الخادعة التي ترافق التدخين في سن المراهقة والشباب الاعتقاد بأن متعته آنية، وأن أثره الصحي بعيد أو مؤجل. غير أن هذه المتعة العابرة تتحول مع التقدم في العمر إلى فاتورة صحية باهظة يدفع ثمنها الإنسان أولًا، وتدفعه عائلته معه. مع السنوات تبدأ معاناة الجهاز التنفسي بالظهور، من ضيق النفس، والسعال المزمن، والالتهابات المتكررة، وصولًا إلى أمراض رئوية وقلبية تُقيد الحركة وتسرق النوم وتحوّل الحياة اليومية إلى عبء من الألم والمعاناة.
ولا تتوقف الكلفة عند حدود الجسد، بل تمتد إلى الأسرة التي تجد نفسها شريكًا قسريًا في المعاناة، بين قلق دائم وسهر طويل وأعباء نفسية ومادية متراكمة. ومن هنا تبرز المسؤولية الفردية المبكرة: أن يكون الإنسان واعيًا منذ الصغر لا يعني حرمان نفسه، بل حماية مستقبله، والراحة في الكِبر، وإراحة من حوله من معاناة كان يمكن تجنبها بقرار واحد في الوقت المناسب.
سادسًا: دروس من تجارب دولية ناجحة
تُظهر التجارب الدولية أن خفض معدلات التدخين بين الشباب والصبايا يتطلب سياسات حازمة ومتكاملة. فقد نجحت أستراليا في تقليص معدلات التدخين عبر فرض التغليف الموحّد ومنع أي عناصر تسويقية جذابة، إلى جانب تحذيرات صحية صادمة. واعتمدت نيوزيلندا نهج "الجيل الخالي من التدخين” بمنع بيع التبغ للأجيال الجديدة تدريجيًا، فيما طبّقت سنغافورة سياسة صارمة قائمة على الغرامات المرتفعة والحظر الفعلي للتدخين في الأماكن العامة.
سابعًا: استراتيجية بعنوان "جيل بلا دخان”
استنادًا إلى الواقع الأردني، تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة تحت عنوان "جيل بلا دخان”، تستهدف الفئة العمرية من 12 إلى 25 عامًا من الشباب والصبايا، وتقوم على ثلاثة مسارات متكاملة. المسار الأول توعوي تفاعلي يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عند الجامعة، ويعتمد على مناهج حديثة وسفراء صحة من الشباب أنفسهم، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنقل رسائل واقعية مؤثرة.
أما المسار الثاني فيقوم على التحفيز الإيجابي، من خلال ربط الامتناع عن التدخين بحوافز ملموسة مثل خصومات على الأنشطة الرياضية والثقافية، وبرامج دعم تعليمية، وبناء صورة اجتماعية إيجابية لغير المدخنين بوصفهم نماذج للوعي والمسؤولية.
في حين يتمثل المسار الثالث في الترهيب المنضبط والعادل، عبر تشديد تطبيق القوانين، ورفع الضرائب على منتجات التبغ، ومنع أي تسويق يستهدف الشباب والصبايا، وفرض سياسة "صفر تساهل” مع التدخين في المستشفيات، والمؤسسات التعليمية، والأماكن العامة، بما يحوّل هذه المساحات إلى نماذج فعلية للانضباط الصحي.
ثامنًا: الخلاصة والمسؤولية الوطنية
إن تفاقم ظاهرة التدخين بين الشباب والصبايا في الأردن تمثل أزمة صحية وتحديًا وطنيًا يتطلب إعادة بناء منظومة القيم الصحية داخل الأسرة، والمؤسسة، والمجتمع. فمكافحة التدخين تبدأ من البيت، وتتأكد في المستشفى، وتترسخ في المدرسة والجامعة، ولا تنجح إلا حين تتكامل التوعية مع القدوة، والحوافز مع الحزم، والتشريع مع التطبيق. وكل قرار واعٍ في سن مبكرة يضمن مستقبلًا صحيًا للفرد وراحة لعائلته في الكبر، ويحول ما كان متعة قصيرة إلى حياة طويلة خالية من المعاناة.








