الأردن: نحو اقتصاد كلي مولِّد للنمو
د. عدلي قندح
جو 24 :
يظل الاستقرار الاقتصادي الكلي الحلقة الأكثر تعقيداً في المنظومة الاقتصادية الأردنية، ليس بسبب ضعف الأدوات النقدية أو المالية، بل نتيجة التفاعل المركّب بين بنية الاقتصاد الحقيقي، والقيود الهيكلية، وطبيعة الانكشاف الخارجي. فعلى مدى العقدين الماضيين، نجح الأردن في تحقيق درجة متقدمة من الاستقرار النقدي والمالي، تجسدت في استقرار سعر الصرف، وانخفاض معدلات التضخم في معظم الفترات، ومتانة النظام المصرفي. غير أن هذا النجاح لم يُترجم بالقدر نفسه إلى استقرار اقتصادي كلي مستدام، وهو ما يفسّر الفجوة القائمة بين الاستقرار المؤسسي والنمو الحقيقي.
في السياق الأردني، تكشف القراءة الحديثة لمفهوم الاستقرار الاقتصادي الكلي أن المشكلة لا تكمن في مستوى المؤشرات بقدر ما تكمن في تركيبها. فالنمو الاقتصادي، الذي تراوح في المتوسط حول 2–2.5% خلال السنوات الأخيرة، ظل أدنى من المعدل اللازم لامتصاص البطالة المتراكمة، خصوصاً بين الشباب، حيث تجاوزت البطالة الكلية 22%. هذا الواقع يعكس خللاً في قدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار النقدي والمالي إلى فرص عمل ونمو شامل، وهو ما تؤكد عليه أحدث نظريات الاستقرار التي تربط بين الاستقرار والقدرة على توليد الدخل لا مجرد الحفاظ على التوازنات الاسمية.
من زاوية المالية العامة، يُظهر الأردن مثالاً كلاسيكياً لما تسميه الأدبيات الحديثة "الاستقرار المُدار”. فالدين العام الذي تجاوز 110% من الناتج المحلي الإجمالي لا يشكّل خطراً فورياً بفضل استقرار التمويل المحلي وطول آجال الاستحقاق، لكنه يقيّد الحيز المالي ويحدّ من قدرة السياسة المالية على لعب دور معاكس للدورة الاقتصادية. وهنا يتجلى ما أشار إليه جوزيف ستيغليتز وداني رودريك من أن الاستقرار الاقتصادي لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، بل بقدرتها على استخدام السياسة المالية كأداة تنموية لا كآلية إدارة أزمة دائمة.
أما في القطاع الخارجي، فإن عجز الحساب الجاري، الذي يتراوح بين 6 و7% من الناتج المحلي الإجمالي، يعكس اعتماداً هيكلياً على التدفقات الريعية، من تحويلات ومساعدات، أكثر من اعتماده على قاعدة تصديرية قوية. ورغم أن الاحتياطي الأجنبي المرتفع وفّر مظلة أمان مهمة، إلا أن هذا النوع من الاستقرار الخارجي يبقى هشّاً، لأنه لا ينبع من قوة ذاتية في ميزان التجارة. وهو ما نبّه إليه مبكراً هايمان مينسكي حين ميّز بين الاستقرار القائم على التدفقات المستدامة والاستقرار القائم على مصادر مؤقتة.
وفي سوق العمل، تتجلى إحدى أعقد مفارقات الاستقرار الاقتصادي في الأردن: استقرار مالي ونقدي متقدم يقابله اختلال عميق في هيكل التشغيل. فضعف الإنتاجية، وعدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، وتدنّي الاستثمار في القطاعات كثيفة التشغيل، كلها عوامل تُحوّل البطالة إلى ظاهرة هيكلية لا دورية، ما يجعل الاستقرار الاقتصادي هشّاً اجتماعياً حتى وإن بدا مستقراً رقمياً.
إن الانتقال من استقرار مُدار إلى استقرار قابل للصمود في الحالة الأردنية لا يمكن أن يتحقق دون إعادة تعريف أدوات السياسة الاقتصادية ووظائفها. فإعادة توجيه الائتمان نحو القطاعات ذات القيمة المضافة لا تعني مجرد زيادة التمويل، بل تصحيح آلية تخصيص الموارد في الاقتصاد. ففي الأردن، يتركّز جزء كبير من الائتمان المصرفي في أنشطة منخفضة الإنتاجية أو قصيرة الأجل، مثل التمويل الاستهلاكي والتجاري، وهي أنشطة تُحسّن السيولة الآنية لكنها لا ترفع الطاقة الإنتاجية ولا تُولّد أثراً تراكمياً في النمو. الائتمان المنتج، وفق الأدبيات الحديثة، هو الذي يُوجَّه إلى قطاعات قادرة على خلق روابط أمامية وخلفية في الاقتصاد، كالصناعة التحويلية المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والخدمات القابلة للتصدير. إعادة توجيه الائتمان نحو هذه القطاعات تتطلب أدوات تحفيزية وتنظيمية ذكية، مثل تخفيف الأوزان الترجيحية للمخاطر، وضمانات ائتمانية موجهة، وشراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص، بما يحوّل النظام المصرفي من ممول استقرار إلى ممول تحوّل اقتصادي.
ويُثار في هذا السياق تساؤل مشروع حول مدى قابلية القطاع المصرفي للاستجابة لأي توجه رسمي لإعادة توجيه الائتمان، في ظل حقيقة أن البنوك لا تخلق الطلب على الائتمان بل تستجيب له ضمن اعتبارات المخاطر والربحية. غير أن التجارب الدولية والأدبيات الحديثة تشير إلى أن دور البنك المركزي لا يقوم على فرض الإقراض، بل على تعديل هيكل الحوافز الذي يوجّه سلوك الائتمان. فإعادة توجيه الائتمان لا تعني التدخل في قرارات البنوك، بل إعادة تشكيل بيئة الطلب نفسها عبر سياسات مالية وتنموية تولّد فرصاً استثمارية مجدية في القطاعات الإنتاجية. وعندما يُعاد تصميم الأطر التنظيمية والأوزان الترجيحية للمخاطر وأدوات الضمان، بحيث تصبح كلفة تمويل الاستثمار المنتج أقل من كلفة التمويل الاستهلاكي، فإن سلوك البنوك يتغير تلقائياً دون الحاجة إلى توجيه مباشر. في الحالة الأردنية، يكمن التحدي الحقيقي ليس في قبول البنوك بالتوجيه، بل في قدرة السياسات العامة على خلق طلب استثماري حقيقي، قابل للتمويل المصرفي، ويحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً مستداماً.
أما تحويل السياسة المالية من إدارة عجز إلى إدارة نمو، فهو نقلة نوعية في فلسفة المالية العامة. ففي النموذج الأردني، ركّزت السياسة المالية تاريخياً على احتواء العجز وخدمة الدين، ما فرض قيوداً صارمة على الإنفاق التنموي. غير أن أحدث النظريات، ولا سيما المدرسة الكينزية الجديدة والاقتصاد المؤسسي، تؤكد أن السياسة المالية تصبح جزءاً من الاستقرار عندما تُدار كأداة لرفع الإنتاجية لا لضبط الحسابات فقط. إدارة النمو تعني إعادة توجيه الإنفاق العام نحو استثمارات ذات عائد اقتصادي واجتماعي مرتفع، مثل البنية التحتية الذكية، والتعليم التقني، والصحة، والتحول الرقمي، مع إصلاح هيكل الإيرادات الضريبية لتوسيع القاعدة الضريبية بدلاً من تعميق العبء على الفئات نفسها.
وفي السياق ذاته، فإن ربط الاستقرار النقدي ببرنامج واضح لتعزيز الإنتاجية يشكّل أحد أهم التحولات الفكرية في السياسات الاقتصادية الحديثة. فاستقرار الأسعار وسعر الصرف، على أهميتهما، لا يضمنان استقراراً اقتصادياً ما لم يُترجما إلى تحسّن في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج. في الأردن، أسهمت السياسة النقدية الحذرة في بناء الثقة، لكنها لم تُدمج بعد ضمن رؤية وطنية شاملة لرفع الإنتاجية. هذا الربط يتطلب تنسيقاً مؤسسياً فعّالاً بين البنك المركزي والحكومة، بحيث تُستخدم أدوات السياسة النقدية والاحترازية لدعم التمويل طويل الأجل، والابتكار، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة ذات الإمكانات التصديرية، من دون الإخلال باستقرار الأسعار.
تجارب الدول التي نجحت في تحقيق هذا التحول تقدّم دروساً مباشرة للحالة الأردنية. فالنموذج الاسكندنافي لم يبنِ استقراره على الانضباط المالي وحده، بل على عقد اجتماعي متوازن يربط بين كفاءة السوق وعدالة التوزيع، ما عزز الثقة المجتمعية وخفّض تكاليف عدم الاستقرار. أما تجربة كوريا الجنوبية، فتؤكد أن السياسة الصناعية الذكية يمكن أن تكون رافعة للاستقرار لا نقيضاً له، من خلال دور توجيهي للدولة وربط الدعم بالأداء والتصدير. في حين تُظهر سنغافورة كيف يمكن للحوكمة الرشيدة والاستثمار المكثف في رأس المال البشري أن يحوّلا اقتصاداً صغيراً ومفتوحاً إلى اقتصاد عالي المناعة.
القاسم المشترك بين هذه التجارب أن الاستقرار الاقتصادي لم يُعامل كغاية نهائية أو كمؤشر محاسبي، بل كوسيلة لإعادة هيكلة الاقتصاد وبناء مناعة ذاتية. وهذا هو التحدي الجوهري أمام الأردن: الانتقال من استقرار يحمي التوازنات إلى استقرار يولّد الفرص، ومن سياسات تُدير المخاطر إلى سياسات تُعيد تشكيل مصادر النمو. فالحلقة الأكثر تعقيداً في الاستقرار الاقتصادي الكلي في الأردن ليست مرتبطة بالمؤشرات النقدية أو المالية فحسب، بل بقدرته على تحويل هذه الأدوات إلى نمو حقيقي، وزيادة الإنتاجية، وتوليد فرص عمل مستدامة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهو المعيار الأهم للاستقرار الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين.
المطلوب من الجهات المختلفة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو الحقيقي:
تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي والنمو المنتج في الأردن يتطلب تغييرات واضحة ومتكاملة في سياسات جميع الجهات الاقتصادية والمؤسساتية:
الحكومة ووزارة المالية:
إعادة توجيه الإنفاق العام نحو مشاريع ذات قيمة مضافة عالية، مثل البنية التحتية الذكية، التعليم التقني، الطاقة المتجددة، والابتكار الرقمي.
تحويل إدارة الموازنة من التركيز على خفض العجز فقط إلى إدارة نمو مستدام، مع ربط التمويل العام بتحسين الإنتاجية وفرص العمل.
تطوير التشريعات الضريبية لتوسيع قاعدة الإيرادات بطريقة عادلة تدعم الاستثمار ولا تثقل كاهل الفئات المنتجة.
البنك المركزي الأردني:
تعزيز دور السياسة النقدية والأدوات الاحترازية ليس فقط للحفاظ على استقرار الأسعار، بل لدعم التمويل طويل الأجل للمشاريع الإنتاجية.
تفعيل الرقابة على القنوات الائتمانية لتوجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة، بما يقلل الاعتماد على التمويل الاستهلاكي والتجاري قصير الأجل.
القطاع المصرفي والمالي:
تطوير منتجات ائتمانية تشجع على الاستثمار في المشاريع الصناعية والتكنولوجية والخدمية التصديرية.
الابتكار في الشراكات مع القطاع العام لتقليل المخاطر على التمويل طويل الأجل وتحفيز الاستثمار المحلي والخارجي.
القطاع الخاص:
توسيع دور الاستثمار في القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة، مع التركيز على الابتكار، وتحسين الكفاءة الإنتاجية، وربط الأرباح بالنمو المستدام.
العمل ضمن شراكات استراتيجية مع الحكومة والمجتمع المدني لتطوير مهارات القوى العاملة وربطها بالاحتياجات المستقبلية للاقتصاد.
المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية:
دعم السياسات العامة من خلال الدراسات البحثية والحوكمة الرشيدة، وتقديم بيانات دقيقة للمساعدة في وضع خطط إنتاجية ناجعة.
المساهمة في تطوير رأس المال البشري عبر برامج تعليمية ومهنية متطورة مرتبطة مباشرة بسوق العمل والابتكار.
الخلاصة النهائية
من التحليل أعلاه يتضح أن الأردن قد حقق تقدماً ملحوظاً في الاستقرار النقدي والمالي من خلال سياسات صارمة وإدارة الدين العام، واستقرار سعر الصرف، وضبط التضخم، إلى جانب رؤية التحديث الاقتصادي وموازنة 2026 التي ركزت على النمو والاستثمار. غير أن الانتقال إلى استقرار اقتصادي كلي شامل وقابل للصمود يتطلب تعزيز أدوات السياسة الاقتصادية بما يربط بين الاستقرار المالي والنمو الحقيقي، وإعادة توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، وتحويل السياسة المالية من إدارة العجز إلى إدارة نمو مستدام، وربط الاستقرار النقدي مباشرة ببرنامج لتعزيز الإنتاجية الكلية. بعبارة أخرى، الأردن على الطريق الصحيح لكنه بحاجة إلى تكثيف الإصلاحات الهيكلية والسياسات التحفيزية لتحقيق اقتصاد منتج ومرن اجتماعياً وقادراً على امتصاص الصدمات، بما يتماشى مع أحدث النظريات الاقتصادية العالمية وتجارب الدول التي نجحت في تحقيق استقرار اقتصادي مستدام.








