2026-02-02 - الإثنين
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

الفيدرالي الأميركي على مفترق القيادة: هل يحمل تغيير الرئيس سياسة نقدية جديدة؟

د. عدلي قندح
جو 24 :
 
 
في كل مرة يخرج فيها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بقراره بشأن سعر الفائدة، لا يكون الأمر مجرد استجابة رقمية لتغير في التضخم أو البطالة، بل هو حصيلة عملية معقدة تتقاطع فيها البيانات الصلبة مع التقدير المهني، والنماذج الاقتصادية مع التجربة المؤسسية، والسياسة النقدية مع توقعات الأسواق والاقتصاد العالمي. لهذا السبب تحديداً، لا يمكن فهم قرار الفيدرالي بوصفه نتيجة نموذج إحصائي واحد، ولا حتى مجموعة نماذج، بل باعتباره تعبيراً عن فلسفة متراكمة في إدارة الاقتصاد الأكبر في العالم.

ينطلق الاحتياطي الفيدرالي من تفويض مزدوج منحه إياه الكونغرس الأميركي: تحقيق استقرار الأسعار، والوصول إلى أقصى مستوى ممكن من التوظيف المستدام. ومن هذا التفويض تتفرع شبكة واسعة من المؤشرات التي تُراقَب بدقة، في مقدمتها التضخم، ولا سيما وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وتطورات سوق العمل بمختلف أبعادها، من معدلات البطالة إلى نمو الأجور والإنتاجية. كما تحضر مؤشرات النمو الاقتصادي، والفجوة الإنتاجية، وأوضاع الأسواق المالية، ومنحنى العائد على السندات، وتوقعات التضخم طويلة الأجل، بوصفها إشارات لا تقل أهمية عن الأرقام الفعلية.

ورغم هذا الزخم من البيانات، لا يتعامل الفيدرالي مع السياسة النقدية كعملية ميكانيكية. صحيح أنه يستخدم نماذج اقتصادية وإحصائية متقدمة، ويختبر قراراته افتراضياً عبر قواعد إرشادية مثل "قاعدة تايلور” ونماذج التنبؤ الآني، إلا أن هذه الأدوات تبقى وسائل استنارة لا أدوات حكم. فهي ترشد النقاش ولا تحسمه، وتدعم القرار ولا تصنعه.

في هذا السياق، أستعيد تجربة شخصية شكلت لي لحظة وعي مبكرة بطبيعة التفكير داخل الاحتياطي الفيدرالي. ففي شهر أيار من عام 1999، وخلال مشاركتي في برنامج تدريبي في معهد صندوق النقد الدولي، مبتعثاً من البنك المركزي الأردني، أتيحت لي فرصة زيارة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في العاصمة واشنطن. أثناء تلك الزيارة، حضر باحث اقتصادي من قسم الدراسات في بنك الاحتياطي الفيدرالي ليشرح لنا كيفية إدارة السياسة النقدية في الولايات المتحدة. بادرت بطرح سؤال مباشر عليه: على أي أساس يتخذ الفيدرالي قراره بشأن سعر الفائدة؟ وهل هناك نموذج إحصائي محدد يحكم هذا القرار؟ جاءت إجابته هادئة لكنها عميقة: لدينا نماذج كثيرة وننظر إلى طيف واسع من المؤشرات، لكن لا يوجد نموذج واحد يتخذ القرار نيابة عنا. في النهاية، القرار هو مزيج من العلم والخبرة والحكم المهني، وما نراه مناسباً للاقتصاد في تلك اللحظة. تلك الإجابة، ببساطتها، كشفت جوهر المدرسة التي ينتمي إليها الفيدرالي: اقتصاد تحكمه القواعد، لكن تقوده العقول.

وعندما تتباين القراءات، وتتصادم السيناريوهات داخل لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، لا يُترك القرار في منطقة رمادية. عند هذه النقطة، تلجأ اللجنة إلى التصويت على القرار النهائي، ليصدر القرار بأغلبية الأعضاء، مع تسجيل بعض التحفظات أو الأصوات المعارضة في حالات محدودة. هذا البعد الديمقراطي داخل مؤسسة نقدية مستقلة يمنح القرار ثقله المؤسسي، ويجعل من الاختلاف جزءاً من القوة لا من الضعف. ولاحقاً، يُنشر محضر اجتماع اللجنة بالتفصيل، كاشفاً منطق النقاش، وتوازن الآراء، ومبررات القرار، في واحدة من أعلى درجات الشفافية بين البنوك المركزية في العالم.

هذا الإطار المؤسسي الصلب هو ما يجعل الجدل الدائر حول تغيير قيادة الاحتياطي الفيدرالي جدلاً مهماً، لكنه غير مقلق بالمعنى الجوهري. فالرئيس الحالي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، يقود المؤسسة في مرحلة دقيقة، وتنتهي ولايته كرئيس للمجلس في أيار من عام 2026. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برز اسم الاقتصادي الأميركي كيفن وارش، العضو السابق في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، كمرشح محتمل لتولي رئاسة البنك المركزي الأميركي خلفاً لباول.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يتغير سلوك الفيدرالي بتغير رئيسه؟ التجربة التاريخية تقول إن التغيير وارد في النبرة، وفي درجة الميل إلى التشديد أو التيسير، وفي أسلوب التواصل مع الأسواق، لكن من الصعب تصور انقلاب جذري في آلية العمل. فالفيدرالي ليس فرداً، بل مؤسسة تحكمها لجان، ونقاشات، وتصويت، وتقاليد راسخة من الاستقلالية. أي رئيس جديد، مهما كانت قناعاته، يجد نفسه محكوماً بهذا الإطار، ومقيداً بميزان البيانات والآراء الجماعية.

يلاحظ من التحليل أعلاه أن قرار سعر الفائدة الأميركي هو نتاج تفاعل معقد بين الاقتصاد والحوكمة، بين العلم والسياسة، وبين النماذج والثقة المؤسسية. وربما لهذا السبب تحديداً، يبقى هذا القرار الحدث النقدي الأكثر تأثيراً في العالم، والأكثر إثارة للجدل، لأنه لا يُختزل في رقم، بل يعكس فلسفة كاملة في إدارة الاقتصاد وصناعة المستقبل.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير