سياسة "الزعرنة" وإدارة العلاقات الدولية في عهد ترامب
اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
جو 24 :
في المقال المميز للدكتور عبدالرزاق بني هاني بعنوان "إقتصاديات الزعرنة"، والمنشور على موقع جو 24 يوم 30 كانون الثاني 2026، استوقفني طويلا الإطار التحليلي الذي قدمه الكاتبان بيتر سوربلس وروبرت امبالانس في مقالهما "عندما تتحول الزعرنة إلى عقلية او سياسة "(When Thuggery Becomes a Policy).
يتلخص هذا الإطار حسب ما جاء في مقال الدكتور بني هاني أن سياسة "الزعرنة" في إدارة المؤسسات بوصفها نمط قيادة يقوم على الغلبة والاستعراض بدل القواعد والكفاءة، حيث يتحوّل المنصب من مسؤولية إلى أداة ردع وردح، ويُقاس النجاح بعلوّ الصوت وسرعة الفرض لا بجودة القرار. في هذا النمط تُهمَّش الخبرة لأنها "تعقّد الأمور"، ويُكافأ الارتجال لأنه "يُمشي الشغل"، فتُقلب القيم داخل المؤسسة، وتتآكل الثقة، ويغيب التخطيط لصالح قرارات مفاجئة تخدم الحضور الآني لا المصلحة العامة، ما يجعل الزعرنة—وفق هذا الإطار—اقتصاد خسارة صافية يفرغ المؤسسة من معناها ووظيفتها.
لم تعد "الزعرنة" مفهوماً يشير إلى سلوك فردي منفلت ينحصر في إدارة بعض المؤسسات الفاشلة، بل باتت في حالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقلية حكم تتسلّل من إدارة المؤسسات إلى إدارة الدول، ومن المكاتب البيرقراطية المغلقة إلى ساحات السياسة الدولية. فحين تُدار العلاقات الدولية بمنطق الغلبة والمكاسب الإقتصادية او السياسية الآنية لا القواعد والقوانين والمؤسسات والأعراف الدولية، وبالصوت العالي لا بالحجة، وبالقرار المفاجئ لا بالتخطيط، وبالتهديد بديلا عن الحوار والمصالح المشتركة. عندها تنتقل عقلية "الزعرنة" من كونها خللاً إدارياً إلى كونها سياسة دولية مُعتمدة، لها أدواتها وخطابها ونتائجها المدمّرة. ومن هذه الزاوية تحديداً، يلتقي الكاتبان في هذا المقال مع كثير من ملامح "الترامبية" في السياسة الخارجية والاقتصاد والأمن.
وبذلك يمكن إسقاط الإطار التحليلي الذي يقدّمه الكاتبان بيتر سوربلس وروبرت امبالانس على أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة العلاقات الدولية. فالمقال لا يتحدث عن "الزعرنة" كسلوك فردي فقط، بل إلى نمط حكم يعتمد على الغلبة والاستعراض والفوقية والأنانية المفرطة تحت شعارات وخطابات براقة ك" امريكا اولا". وفيما يلي استعراض موجز لأهم المحاور التي تعكس سياسة "الزعرنة" التي تميز إدارة ترامب دون غيره من رؤساء امريكا.
أولاً: السياسة الخارجية
اعتمد ترامب بدرجة كبيرة على الشخصنة والاستعراض: تهديدات علنية، تغريدات مفاجئة، كسر للأعراف الدبلوماسية، وتحويل المنابر الدولية إلى ساحات اختبار للقوة لا منصات لبناء التوافق. لم يكن الهدوء فضيلة، ولا التأنّي دليلاً على حكمة، بل كثيراً ما فُسّر الحوار بوصفه ضعفاً، وهو ما ينسجم تماماً مع وصف المقال لبيئة يُنظر فيها إلى التفكير الطويل بوصفه عائقاً لا ميزة.
ثانياً: العلاقات الدولية
كما تصف سياسة "الزعرنة" حكماً يقوم على الغلبة لا النظام، فقد تعامل ترامب مع المؤسسات والتحالفات بمنطق الغلبة لا القواعد او الموثيق الدولية: شكّك في جدوى الأمم المتحدة، لوّح بالانسحاب من الناتو، وهدد الاتفاقيات الدولية، وانسحب من اكثر من 66 منظمة دولية في مقدمتها منظمة الصحة العالمية واليونسكو واليونيسيف. وهنا تتقاطع الترامبية مع جوهر نظرية "الزعرنة" كسياسة، حيث تصبح القواعد عبئاً، والمؤسسات قيداً، والاستقرار طويل الأمد ثمناً لا يستحق الانتظار.
ثالثاً: الاقتصاد
تستخدم إدارة ترامب الأدوات الاقتصادية كسلاح ضغط مباشر: حروب تجارية، رسوم جمركية مفاجئة، وعقوبات تُفرض وتُرفع وفق الحسابات السياسية الآنية.هذه السياسات قد تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها تُقوّض أهم عنصر يحتاجه الاقتصاد العالمي: قابلية التوقع والثقة والمصالح المشتركة. فالمستثمر والدولة الشريكة لا يبحثان فقط عن المكاسب المالية الآنية فقط، بل عن سلوك يمكن الوثوق به، وحين تغيب هذه الثقة، ينسحب رأس المال بصمت.
رابعاً: المؤسسات الأمريكية
في داخل المؤسسات الأميركية نفسها، برزت ملامح أخرى لهذا النمط: تهميش الخبراء، التصادم مع الأجهزة البيروقراطية، وتقديم الولاء الشخصي على الخبرة المؤسسية. وهو ما يشبه تماماً ما وصفه سوربلس وامبالانس بانقلاب القيم داخل الإدارة، حيث يُعاقَب الالتزام بالنظام، ويُكافأ الالتفاف عليه.
خامساً:هيبة الدولة العظمى
اكثر نتائج العقلية الترامبية خطورة أن هيبة او قوة الدولة العظمى التي تقوم على التخويف واستعراض العضلات تحتاج دائماً إلى تصعيد دائم، وإلى أعداء مستمرين، وإلى خلق أزمات جديدة وتوتر لا ينتهي. وهي هيبة مرهقة، مؤقتة، وقابلة للانهيار. على النقيض من الهيبة القائمة على العدالة والمصالح المشتركة واحترام الدول الأخرى، التي وإن كانت صامتة وغير صاخبة، لكنها أكثر ثباتاً واستدامة واحتراما.
وفي الختام، لا نهدف من وراء إسقاط نظرية When Thuggery Becomes a Policy على "الترامبية" إلى التشهير أو الشخصنة، بل إلى تفكيك وفهم نمط حكم يرى في الصوت العالي والتهديد والصخب بديلاً عن النتائج، وفي الاستعراض والهيمنة بديلاً عن الإدارة الحكيمة والعلاقات العادلة. والسؤال الذي يطرحه المقال ويبقى راهناً في السياسة الدولية: ايهما أفضل ان تُدار العلاقات الدولية بالعقل والحكمة والمؤسسات والقوانين الدولية والمصالح المشتركة، أم تُستنزف وتُهدم بدافع الشهرة والغلبة والاندفاع؟








