مديونية الأردنيين: بين الحاجة اليومية وتساهل الإقراض… من يدفع الثمن؟
د. عدلي قندح
جو 24 :
في الأردن، تُعد مديونية الأفراد لدى البنوك واحدة من أهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية في السنوات الأخيرة. فقد أظهرت البيانات الرسمية أن قيمة التسهيلات الائتمانية الممنوحة للأفراد ارتفعت إلى نحو 14.328 مليار دينار أردني بنهاية الربع الثالث من عام 2025، بزيادة مستمرة مقارنة بالأعوام السابقة. 
هذه القروض ليست مجرد أرقام؛ بل هي انعكاس لضغوط حقيقية على الأسر الأردنية التي تسعى لتلبية احتياجاتها اليومية، وسط دخول لا تكاد تغطي المصاريف الأساسية.
في التفاصيل، يوضح تحليل البيانات أن القروض الممنوحة للأفراد تتوزع حسب الأغراض المالية كالتالي (بيانات تقريبية مبنية على تقارير البنك المركزي الأردني): 
•القروض السكنية: تمثل نحو 40.9% من إجمالي مديونية الأفراد، بقيمة تقارب 5.73 مليار دينار. هذه القروض تُستخدم لشراء أو بناء أو تحسين المساكن، ما يجعلها من أكبر مصادر المديونية لأنها مرتبطة باحتياجات أساسية وطويلة الأجل. 
•القروض الشخصية والاستهلاكية: تبلغ نحو 4.48 مليار دينار، وتشمل تمويل الاحتياجات اليومية مثل التعليم، الصحة، أو مواجهة مصاريف غير مخططة. تُظهر هذه الفئة أن كثيرًا من الأسر تتجه إلى الاقتراض لسد فجوة الدخل مقابل المصاريف اليومية. 
•قروض السيارات: تشكل نحو 13% من إجمالي المديونية، وتبلغ نحو 1.8 مليار دينار. يلجأ الأفراد إلى هذه القروض لاقتناء سيارات للذهاب إلى العمل أو لأسباب تنقلية أخرى، لكنها تضيف عبئًا ماليًا طويل الأجل. 
•قروض بطاقات الائتمان: وصلت قيمتها إلى حوالي 421 مليون دينار، وتشهد ارتفاعًا مع ازدياد الاعتماد على البطاقات الائتمانية لتغطية النفقات الشخصية. 
من يقترض ومن يتحمل العبء؟
عند النظر إلى البيانات المتعلقة بعدد المقترضين وتوزيعهم، تظهر أرقام مهمة توضح من يستفيد من القروض ومن يتحمل بشكل أكبر عبء المديونية:
بحلول الربع الثالث من 2025، بلغ عدد القروض/المقترضين نحو 1.646 مليون قرض، مما يشير إلى انتشار واسع للاعتماد على التمويل البنكي بين الأسر الأردنية. 
ومن بين هؤلاء المقترضين، حصل نحو 80% من قيمة التسهيلات على الذكور، بينما ذهبت نحو 20% للإناث. وهذا يعكس أن الذكور يستحوذون على الجزء الأكبر من القروض من حيث القيمة، سواء بسبب اختلافات في الدخول أو احتياجات التمويل. 
على مستوى العدد، تمثل نسبة الذكور المقترضين حوالي 78% من إجمالي عدد القروض، بينما تمثل الإناث نحو 22%، ما يوضح أن الرجال يشكلون الجزء الأكبر من سوق الاقتراض البنكي في الأردن. 
هذا التوزيع بين الجنسين يعكس أيضًا اختلافات في تمثيل الرجال والنساء في سوق العمل والدخل، بالإضافة إلى اختلاف نمط الاستهلاك والاحتياجات المالية بينهما.
توزيع المديونية حسب المحافظات
رغم أن التقارير الرسمية لا تنشر أرقامًا صريحة عن مقدار الديون حسب كل محافظة، إلا أن توزيع التسهيلات البنكية العامة يعتبر مؤشرًا قويًا على أن المديونية موزعة بشكل غير متساوٍ جغرافيًا. 
وتشير البيانات إلى أن:
•محافظة عمّان تستحوذ على الجزء الأكبر من التسهيلات البنكية في الأردن، بأكثر من 80% من إجمالي القروض والتسهيلات، وبالتالي من المتوقع أن يكون الجزء الأكبر من مديونية الأفراد أيضًا في عمّان. 
•تأتي إربد في المرتبة الثانية بحصة تقديرية صغيرة نسبيًا من إجمالي التسهيلات، ما يعني أن مديونية الأفراد هناك تمثل نسبة أقل مما في عمّان لكنها تبقى الأعلى بين المحافظات بعد العاصمة. 
•الزرقاء تأتي في المرتبة الثالثة بحصة أقل من إربد، تليها محافظات مثل البلقاء، مأدبا، الكرك، معان، جرش، عجلون، الطفيلة بأجزاء أصغر من إجمالي التسهيلات ومن ثم المديونية. 
هذا التوزيع الجغرافي يعكس تركيز النشاط الاقتصادي والوظائف في العاصمة مقارنة بباقي المحافظات، ما يجعل أهل عمّان أكثر قابلية للحصول على قروض أكبر وأكثر تنوعًا.
أسباب ارتفاع المديونية
ارتفاع مديونية الأفراد لم يأتِ عبثًا، بل نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة:
أولاً، ارتفاع تكاليف المعيشة مقابل نمو ضعيف في الدخول يجعل الأسر تلجأ إلى الاقتراض لتغطية احتياجات الحياة الأساسية مثل السكن، التعليم، والصحة.
ثانيًا، سياسات الإقراض المرنة لدى البنوك – من تسهيلات سريعة إلى عروض جذابة – جعلت الاقتراض أكثر سهولة حتى للأغراض غير الضرورية أحيانًا.
ثالثًا، ضعف الثقافة المالية لدى شريحة من المجتمع يؤدي إلى عدم التخطيط الجيد قبل الاقتراض، أو تجاهل التزامات السداد طويلة الأجل.
وأخيرًا، انخفاض الدخل الحقيقي مقارنة بارتفاع الأسعار يجعل الأسر تعتمد أكثر على التمويل الخارجي لسد الفجوة بين الدخل والمصروفات.
مسؤولية المديونية: من المسؤول؟
تحمل المسؤولية هنا ليس أمرًا أحاديًا، بل هو تفاعل بين أكثر من طرف:
•الأفراد مسؤولون عندما يقترضون دون تخطيط أو يدفعون إلى ارتفاع الاستهلاك على حساب الاستقرار المالي.
•البنوك تتحمل مسؤولية عبر تسويق منتجات إقراض قد تكون مغرية ولكنها لا تراعي دائمًا قدرة السداد لدى العملاء.
•والدولة والجهات الرقابية عليها دور في تعزيز الثقافة المالية، ووضع ضوابط أكثر حكمة لعمليات الإقراض بما يحمي الاستقرار المالي العام.
آثار المديونية
ارتفاع المديونية له آثار واضحة على حياة الأفراد:
•ضغط على الأسر: ارتفاع أقساط السداد يقود إلى تقليل الادخار والإنفاق على الاحتياجات الضرورية.
•مخاطر التعثر: رغم أن نسبة القروض المتعثرة في الأردن ما زالت ضمن مستويات معتدلة، فقد يزيد العبء المالي من مخاطر التعثر إذا ساءت الظروف الاقتصادية.
•تأثير على الاقتصاد الكلي: يعتمد الاقتصاد بشكل كبير على الاستهلاك، وما لم تتم إدارة الديون بشكل سليم، فقد يؤثر ذلك سلبًا على النمو والاستثمار.
الحلول المقترحة
هناك مجموعة من الخطوات التي يمكن أن تُسهِم في إدارة أفضل للمديونية:
1.تعزيز الثقافة المالية عبر التعليم والإعلام.
2.تنظيم الإقراض بشكل أكثر حكمة بوضع سقوف ونسب مناسبة لقيمة القروض مقارنة بالدخل.
3.تحسين الدخل والأجور من أجل تقليل الاعتماد على الاقتراض لسد الاحتياجات الأساسية.
4.تشجيع الادخار كبديل صحي للاستدانة غير المخططة.
مديونية الأردنيين رسالة واضحة عن ضغوط مالية يعيشها المواطنون في ظل واقع اقتصادي معقد. الحلول تتطلب تعاونًا حقيقيًا بين الأفراد، البنوك، والدولة، لإعادة التوازن بين الدخل والإنفاق، ولجعل الاقتراض أداة تمكينية لا عبئًا يثقل كاهل الأسرة والاقتصاد معًا.








