إعادة هندسة قطاع غزة: تصميم صهيوني وإخراج امريكي وتنفيذ دولي #عاجل
جو 24 :
كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -
منذ توقف الحرب على غزة رسميا قبل حوالي اربعة شهور، بدأت دولة الكيان الصهيوني بالتحرك وفق خطة مركّبة تجاه قطاع غزة، تجمع بين إعادة رسم الجغرافيا بالقوة، والتحكم بالمجتمع عبر أدوات إنسانية واقتصادية، في مشروع متكامل يهدف إلى إنهاء غزة كقضية مقاومة وطنية، وتحويلها إلى مساحة محاصرة منزوعة الإرادة ومُدارة حسب مقاس وشروط الإحتلال. هذا المشروع لا يُعلن رسمياً، لكنه يتقدم ميدانياً وسياسياً عبر فرض وقائع يصعب التراجع عنها، وبتوافق واضح مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي وفّرت الغطاء السياسي والدبلوماسي اللازم لتكريسه. وتتمثل اهم ملامح هذا المشروع في المحاور التالية:
اولا : من الخط الأصفر إلى الخط الأزرق: ترسيم الحدود بالقوة والإكراه
في قلب هذا المسار، يبرز السعي لتحويل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" إلى "خط أزرق" دائم، كحد فاصل جديد بين دولة الكيان وغزة، لا بوصفه إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل ترسيماً فعلياً لحدود جديدة تضمن لإسرائيل سيطرة عسكرية مباشرة وغير مباشرة على أكثر من 50% من مساحة القطاع. ويتم ذلك عبر مناطق عازلة موسّعة تُمنع عودة السكان إليها، وتُدار كمساحات خاضعة للتحكم الإسرائيلي الكامل، في انسجام مع مقاربة "الأمن مقابل الاقتصاد" التي رُوّج لها أميركياً بديلاً عن الحقوق السياسية.
ثانيا:حشر السكان وإدارة الحياة لا تمكينها
في المقابل، يُدفع سكان غزة إلى النصف المتبقي من القطاع ضمن مساحة شديدة الاكتظاظ، تُعاد هندسة حياتها وفق نموذج يقوم على "إدارة السكان" لا تمكينهم. ولا تقتصر الاستراتيجية على تقليص الأرض، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والخدمات وإيقاع الحياة اليومية بما فيها مناهج التعليم، بما يحوّل البقاء المعيشي إلى أولوية تتقدم على أي فعل سياسي او إجتماعي أو مقاوم، ويُعاد فيها تعريف الاستقرار بوصفه بديلاً عن التحرر.
ثالثا: المساعدات والمعابر كأدوات سيطرة ناعمة
ضمن هذا الإطار، تتحول المساعدات الإنسانية وفتح المعابر، بما فيها معبر رفح، من حقوق إنسانية أساسية إلى أدوات للسيطرة الناعمة وفرض الرقابة المباشرة والتحطم المطلق والإذلال المتعمد. فالحصار لم يعد وسيلة عقاب فقط، بل آلية ضبط دقيقة: فتح مشروط، وإغلاق انتقائي، وتدفق مساعدات وحركة للسكان مضبوطتان بالسقف السياسي والأمني المطلوب. الغذاء والدواء والإعمار وحركة الناس تُدار كوسائل تأثير، لا كاستجابة إنسانية محايدة.
رابعا: إقصاء السلطة الفلسطينية وتجريد غزة من العنوان الوطني
ويتكامل هذا المسار مع إصراردولة الكيان على إقصاء السلطة الفلسطينية عن أي دور في إدارة غزة، حتى على المستوى الرمزي. فوجود السلطة يعني إعادة ربط غزة بالضفة الغربية ضمن مرجعية وطنية واحدة، ومنح الفلسطينيين عنواناً سياسياً معترفاً به دولياً، وهو ما يتناقض مع استراتيجية الفصل وتعطيل مسار الدولة الفلسطينية. لذلك تُطرح صيغ إدارة "محلية"أو "إنسانية" بلا هوية سياسية وطنية، ويُرفض حتى رفع وشعار السلطة الفلسطينية او العلم الفلسطيني، لأن دلالتها سيادية لا إدارية.
خامسا:مجلس السلام: تبييض سياسي لما عجزت عنه الحرب
ويتكامل التنسيق االصهيوني–الأميركي مع الدور الذي أُنيط بما سُمّي ب"مجلس السلام" الذي شكّلته إدارة ترامب، والذي لا يعمل كإطار تسوية محايد، بل كمظلّة دولية لتبييض سياسي ممنهج للمخطط الصهيوني. فالمجلس يُستخدم لإضفاء شرعية شكلية على ترتيبات أمنية واقتصادية تهدف إلى إعادة هندسة قطاع غزة وفق القالب الذي تريده إسرائيل، وتحويل الوقائع التي عجزت عن فرضها بالقوة العسكرية إلى مسارات "متفق عليها دولياً". وبهذا، يُعاد تسويق الإعمار والاستقرار كأدوات تقنية، بينما يجري تمرير اقتطاع الأرض والسيادة، وإقصاء المرجعية الوطنية الفلسطينية، ونزع البعد السياسي للقضية تحت غطاء دولي منظم.
سادسا:الإعمار كبديل عن الحل السياسي
الأخطر أن هذا النموذج يُسوَّق دولياً تحت شعار "إعادة إعمار غزة" بعد تفريغها من السلاح وكل أشكال المقاومة. فالإعمار لا يُطرح كمقدمة لإنهاء الاحتلال، بل كبديل عن الحل السياسي، يقوم على معادلة واضحة: مساكن مقابل الصمت والتطبيع، ومساعدات مقابل نزع السلاح، في انسجام مع مقاربة "السلام الاقتصادي".
سابعا: التمويل الإقليمي والاندماج في مسارات التطبيع
في هذا السياق، يبرز الدور المالي لبعض الأطراف الدولية والإقليمية والعربية، لتمويل مشاريع الإعمار التي تُقدَّم بغطاء إنساني وتنموي، لكنها تتقاطع عملياً مع الرؤية الصهيونية–الأميركية لإعادة تشكيل قطاع غزة. كما يجري العمل على دمج غزة "المُعاد تشكيلها وهندستها" في المنظومة الإقليمية المرتبطة بالاتفاقيات الإبراهيمية، عبر ربط الإعمار والاستقرار الاقتصادي بمسارات التطبيع في المنطقة.
إفشال المخطط: فلسطينيّاً وعربياً ودولياً
في مواجهة هذا المخطط، يبرز الدور الفلسطيني والعربي كعامل حاسم، عبر وحدة الموقف ورفض أي ترتيبات تنتقص من وحدة الأرض والسيادة. وإلى جانبهما، تتعاظم أهمية الاستعانة بالمسار الدولي—الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والهيئات الحقوقية—لفضح عدم قانونية إعادة ترسيم الحدود وفرض الوقائع بالقوة، ومنع تحويل الإعمار إلى أداة لشرعنة الاحتلال.
خاتمة: معركة على جوهر القضية لا على الأرض فقط
ما يجري في غزة اليوم ليس حرباً على الأرض فحسب، بل على الجوهر السياسي للقضية. فخسارة الأرض خطر كبير، لكن الأخطر هو تحويل القضية إلى أزمة إنسانية مُدارة بتوافق صهيوني–أميركي وتبييض دولي، تُحتوى بالأموال والمعابر والإعمار الموجه لخدمة المشروع الصهيوني، بدلاً من كونها مشروع تحرر وطني يُستعاد بالحق والنضال والقانون والإرادة السياسية.








