2026-02-10 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

الأسواق العالمية عند مفترق طرق: بين وهم الاستقرار وحقيقة التحول النقدي

د. عدلي قندح
جو 24 :


يعكس أداء الأسواق المالية العالمية خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026 حالة مركبة من التوازن الهش، حيث تتجاور مؤشرات الصعود الاسمي مع تصاعد واضح في عوامل عدم اليقين النقدي والسياسي. فالأرقام، للوهلة الأولى، توحي بأسواق قوية: الأسهم الأميركية أغلقت على مكاسب، المعادن الثمينة حققت قفزات تاريخية، والدولار الأميركي تراجع على أساس شهري. لكن القراءة المتعمقة تكشف أن هذه النتائج ليست تعبيرًا عن ثقة راسخة بقدر ما هي انعكاس لإعادة تسعير واسعة للمخاطر، يقودها سؤال واحد: إلى أين تتجه السياسة النقدية الأميركية؟

أولًا: الأسهم… مكاسب رقمية أم إرهاق كامن؟

سجل مؤشر داو جونز مكاسب قوية تجاوزت 1.6%، فيما بدا أداء ناسداك متواضعًا، وهو تفاوت ليس تفصيلاً عابرًا. هذا التباين يعكس تحوّلًا واضحًا في سلوك المستثمرين من أسهم النمو عالية الحساسية للفائدة إلى أسهم القيمة والعائد، في بيئة لم تعد فيها توقعات خفض الفائدة سهلة أو قريبة كما كان يُعتقد سابقًا.

التعب الذي ظهر في الزخم خلال نهاية الشهر، خصوصًا مع تزايد التقلبات، يؤكد أن الأسواق لم تعد تتحرك على أساس "تفاؤل أحادي الاتجاه”، بل باتت أكثر انتقائية، وأكثر حساسية للإشارات القادمة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي ومن البيانات الاقتصادية، خاصة التضخم والنمو.

ثانيًا: الفيدرالي الأميركي… التثبيت ليس حيادًا

قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة لم يكن قرارًا محايدًا كما حاولت الأسواق أن تفسره في البداية. بل على العكس، جاء محمّلًا برسالة مفادها أن التيسير النقدي لم يعد مضمون التوقيت ولا الحجم.
ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى منتصف نطاق 4% يؤكد أن الأسواق أعادت تسعير المسار المستقبلي للفائدة، ليس باتجاه الخفض السريع، بل باتجاه "الانتظار المشروط”.

وهنا تتجلى نقطة محورية:
في بيئة ديون مرتفعة وأسواق أصول متخمة بالسيولة التاريخية، فإن مجرد إطالة أمد الفائدة المرتفعة كفيل بإحداث تصحيحات مؤلمة، حتى دون رفع إضافي.

ثالثًا: "أثر وورش” ومخاطر انتقال القيادة

إعلان ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي شكّل صدمة نفسية للأسواق، لا بسبب الشخص بحد ذاته، بل لما يرمز إليه من احتمال انتقال نحو خطاب نقدي أكثر تشددًا أو أقل تسامحًا مع التضخم.

ردة فعل الأسواق كانت سريعة:
•ارتفاع حدة التقلبات
•قوة مفاجئة للدولار في نهاية الشهر
•انعكاس حاد في أسعار المعادن

وهذا يؤكد أن مخاطر الانتقال القيادي في البنوك المركزية لا تقل أهمية عن قرارات الفائدة نفسها، خصوصًا حين تكون الأسواق متمركزة (Crowded) في رهانات أحادية الاتجاه.

رابعًا: المعادن الثمينة… صعود تاريخي أم فقاعة مراكز؟

حقق الذهب ارتفاعًا شهريًا استثنائيًا بنسبة 13%، والفضة قاربت 19%، وهي أرقام نادرة تاريخيًا. هذا الصعود يعكس مزيجًا من:
•ضعف الدولار خلال معظم الشهر
•القلق من المسار الحقيقي للفائدة الحقيقية
•الطلب التحوطي في ظل الضبابية الجيوسياسية والنقدية

لكن الانعكاس الحاد في نهاية الشهر يكشف حقيقة أكثر عمقًا:
عندما تتزاحم المراكز الاستثمارية، يصبح الذهب – رغم صفته كملاذ آمن – عرضة لعمليات تسييل قسرية عند أول تغير متزامن في الدولار والعوائد الحقيقية.

بعبارة أخرى، الذهب لم يعد يتحرك فقط كأداة تحوط، بل كأصل مالي عالي الحساسية للسيولة والمراكز الرافعة.

خامسًا: الدولار والأسواق الناشئة… فرصة مشروطة لا مضمونة

التراجع الشهري لمؤشر الدولار دعم الأصول غير الأميركية، وأعاد إحياء شهية التنويع الجغرافي، خصوصًا نحو الأسواق الناشئة. غير أن هذا المسار يبقى مشروطًا بعاملين أساسيين:
1.استقرار تقلبات أسعار الفائدة الأميركية
2.عدم عودة الدولار إلى موجة صعود حادة مدفوعة بالمخاطر أو التشدد النقدي

في حال تحقق ذلك، قد نشهد تحسنًا نسبيًا في أداء أسواق ناشئة ذات أساسيات متينة وحسابات خارجية متوازنة. أما في حال عودة "نوبات الهروب إلى الدولار”، فإن هذه المكاسب تبقى هشة وسريعة التبخر.

سادسًا: ما الذي ينتظرنا؟

الصورة المستقبلية للأسواق يمكن تلخيصها بثلاث حقائق أساسية:
1.الفائدة هي المتغير الحاسم:
كل الأصول – من الأسهم إلى الذهب – باتت تدور في فلك العوائد الحقيقية وتوقعات السياسة النقدية.
2.مخاطر السياسة النقدية انتقلت من القرار إلى التواصل:
اللغة، التلميحات، والقيادة المستقبلية أصبحت بحد ذاتها أدوات تقلب.
3.الأسواق دخلت مرحلة "الحركية الثنائية”:
لا اتجاه أحادي مستدام، بل صعود وهبوط متعاقبان تحكمهما السيولة والمراكز أكثر من الأساسيات قصيرة الأجل.

خلاصة القول:
أسواق يناير 2026 لم تكن شهر استقرار، بل شهر إعادة تموضع. من يقرأ الأرقام فقط يرى مكاسب، أما من يقرأ ما خلفها فيدرك أن العالم المالي يقف عند مفترق طرق:
إما هبوط ناعم مشروط بانضباط التضخم، أو مرحلة أطول من التقلبات عنوانها الرئيسي: عدم اليقين النقدي في عالم مثقل بالديون والتوقعات.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير