2026-02-17 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

فضيحة ابستين: تكسير رؤوس أم قصف رقاب؟!

كمال ميرزا
جو 24 :


من النكات القليلة العالقة في ذهني من ميراث الطفولة:
قال الزوج لزوجته: أنا رأس البيت وصاحب القرار.
قالت الزوجة: نعم أنت رأس البيت، ولكن أنا الرقبة أحركك كيفما أشاء!

هذه النكتة الموحية تصلح نموذجاً إدراكيّاً/ تحليّلاً يمكن من خلاله فهم الكثير من المظاهر المتعلّقة بـ "القوّة/ السلطة" وعلاقات القوة/ السلطة في عالمنا المعاصر، سواء القوة/ السلطة بمعناها الماديّ المباشر، أو بمعناها الرمزيّ كما تتمثّل في الخطاب/ الإنشاء.

فمثلاً، إذا كانت السياسة وكان السياسيّ هما رأس هرم القوة/ السلطة حين يتعلّق الأمر بشؤون الدولة والحكم والقيادة والإدارة، فإنّ "الاقتصاد" و"الاقتصاديّ" قد باتا بمثابة "الرقبة" التي تُوجّه "السياسة" و"السياسيّ" كيفما تشاء، وتمنحهما المبرّر والمُسوّغ والذريعة للتنصّل من أي مبادئ أو ثوابت دينيّة وثقافيّة واجتماعيّة يُفترض نظريّاً أنّها تمثّل "المرجعيّة النهائيّة" ومصدر "المعياريّة" و"القيم"، والتنصلّ من عبء التجربة التاريخيّة والأخلاقيّة، وحتى التنصّل من الشيم والسجايا الشخصيّة مثل الشهامة والنخوة والمروءة والحميّة وإرث السلالة وعبء الاسم الرابع.

وهذا بدوره يجسّد هيمنة وطغيان قيم النفعيّة والبرغماتيّة والدارونيّة الاجتماعيّة ومبدأ اللذة، أو ما يسمّيها "عبد الوهاب المسيري" مرجعيّة المصنع والسوق، حتى على سياقات فرديّة وجَمعيّة ما تزال تحتفظ بمظاهر طقوسيّة وشكليّة وبرّانيّة للتديّن، أو للذات القوميّة، أو للأصالة، أو للتمسّك بقيم ومبادئ إنسانيّة.

وهو من مظاهر، أو لعله المظهر الأبرز والأهم والأخطر، لحالة "السيولة" التي تحدّث عنها "زيغمونت باومان" من حيث انفصال السلطة، أي "القدرة على فعل الأشياء" .. عن السياسة، أي "القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها وإعطاؤها الأولويّة".

وبحيث أصبحت السياسة/ السياسيّ واجهةً للاقتصاد/ الاقتصاديّ (أو قفازاً للاقتصاديّ حسب التعبير القديم الشائع)، وخادمَين لهما، أو لاهثَين وراء بركاتهما وفتاتهما، ووفق نموذج للدولة والحُكْم قوامه "الشركة": الشركة واسعة النطاق، محدودة المسؤوليّة، التي تحتكر بسيف القانون و"الأمن" والعسكرتاريا "الإقطاعيّات الجديدة"، وتعسف بالمواطنين الذين باتوا بمثابة "أقنان جدد"، وتبتزهم في أمانهم ولقمة عيشهم أيضاً بسيف القانون، وبسيف القيم الأداتيّة أحاديّة البعد الضد-إنسانيّة لـ "الاحتراف" و"التكنوقراطيّة" و"التمكين" و"الريادة".

وفيما يتعلّق بالقوة/ السلطة بمعناها الرمزيّ، فإذا كانت "حرية الرأي والتعبير" هي رأس وذروة وقمة "العالم التواصليّ" الذي نحيا فيه، فإنّ "حرّاس البوابة" (أو بالأحرى مالكي هذه البوابات الاتصاليّة والمتحكّمين الحقيقيّين بها) هم بمثابة الرقبة التي توجّه الانتباه وتوجّه الحديث وتوجّه حريّة الرأي والتعبير بالاتجاه الذي تريده، وبحيث تغدو الوِجهة التي تتخذها السرديّة أشدّ خطورةً ألف مرّة من أي كلام حرّ وآراء حرّة يمكن أن تُقال في خضم هذه الوجهة.

كمثال قريب وواضح ومباشر على هذا الكلام سؤال: "هل تؤيّد السابع من أكتوبر؟" الذي حرص الإعلام الغربيّ (والإعلام التابع له) على تثبيته وتعميمه منذ اللحظة الأولى لانطلاق معركة "طوفان الأقصى" المباركة، وذلك لتوجيه الانتباه والحديث والسرديّة بشكل ابتزازيّ نحو منحى ينتقص من حجم الإنجاز الذي يمثّله "الطوفان" وأثره ودلالاته، ويدين الطوفان بشكل مضمر، ويلفت الأنظار عن حقيقة الاحتلال، وحقيقة المشروع الاستعماريّ الذي يمثّله الكيان الصهيونيّ، وحقيقة الحصار، وحقيقة الجرائم الممتدّة على طول عقود وعقود من الزمان.

ومثال ثانٍ هو امتداد للمثال الأول، توجيه الخطاب نحو ثيمة "المعاناة الإنسانيّة"، والشعب الفلسطينيّ في غزّة كـ "حالة إنسانيّة" تفعل ما تفعل مدفوعةً بـ "اليأس" و"الحرمان"، واللغط المصاحب لذلك من حيث مَن المسؤول عن هذه المعاناة العدو أم "المقاومة" التي منحته الحُجّة والذريعة؟ ومن الذي يرفض وقف هذه المعاناة؟ ومن الذي يخرق الاتفاقيات والتفاهمات؟ وما هي أفضل السبل من أجل الحدّ من هذه المعاناة وتجاوزها؟ إلى آخر هذه الأسئلة.. كلّ ذلك بدلاً من توجيه الخطاب والسرديّة نحو ثيمة أن الشعب الفلسطينيّ في غزّة هو شعب بطل صاحب قضيّة مقاوِم يتمتّع بمطلق الحقّ والشرعيّة، وأنّ ما يتعرّض له هي أثمان وتضحيات يقدّمها عن سابق إدراك ووعي وعزم وإرادة ضمن مشروع للتحرّر الوطنيّ، وأنّ ما يحتاجه هذا الشعب وهذا المشروع هو النُصرة والإسناد والدعم والمؤازرة.. لا العطف والشفقة و"الإغاثة" والمشاريع العقاريّة و"ريفيرا" يكونون هم خدمها وأيديها العاملة الرخيصة!

نفس النمط نجده في اللغط الدائر حول إجبار حزب جبهة العمل الإسلاميّ على تغيير اسمه ونظامه الأساسيّ بذريعة توفيق الأوضاع، ومدى دستوريّة أو عدم دستوريّة هذا الإجراء؟ ومدى انسجامه وعدم انسجامه مع نصّ القانون؟ ومدى دستوريّة النصّ القانونيّ نفسه؟ ومدى "مدنيّة" و"ديمقراطيّة" أن تؤسَّس أحزاب وتقوم على أساس دينيّ؟ وذلك بدلاً من الحديث عن إجراءات الإدارة الأمريكيّة بحقّ التيارات والأحزاب الإسلاميّة، ومَن فوّضها بذلك؟ وعلى أي أساس تمنح نفسها الحقّ والشرعيّة؟ وإلى أي مدى يعتبر ذلك تدخّلاً سافراً بشؤون الدول ومحاولة لفرض الهيمنة؟ وإلى أي مدى تمثّل هذه الإملاءات مساساً بالسيادة الوطنيّة واستقلال القرار الوطنيّ للدول المعنيّة؟

أمّا فضيحة "جيفري ابستين"، والتي أصبحت بين ليلة وضحاها شغل الناس والفضاء التواصليّ الشاغل، فيمكن اعتبارها "حالة نماذجيّة" ومثال فوق العادة على فكرة الرأس والرقبة ـ السرديّة وتوجيهها؛ فمَن هم أولئك الأشخاص الذين يقرّرون أو مَن هي تلك الجهات التي تقرّر متى يتم تسخين هذه الفضيحة ومتى يتم تبريدها؟ وتقرّر طبيعة وحجم المعلومات والحقائق التي ستتم إتاحتها للناس والمعلومات والحقائق التي سيتم حجبها (لحين عازة!)؟ ولماذا سكتت الأجهزة الأمنيّة والاستخباراتيّة طوال سنوات عن ممارسات "ابستين" وصحبه وهي التي تتشدّق في سياقات أخرى بأنّها تسمع دبّة النملة؟ وكيف يمكن أساساً التثبّت من أنّ كل ما يُنشر ضمن "فضيحة ابستين" هو حقيقيّ وصحيح؟!

مرةً أخرى، توجيه السرديّة، وامتلاك القدرة على توجيه السرديّة (على حساب وجهات وسرديّات أخرى)، هي مسألة أكثر حساسيّة وأخطر ألف مرّة من أي شيء يمكن أن يُقال داخل السرديّة بعد أن تكون قد وُجِّهَت بالفعل.. لذا في غمرة فرحتنا وابتهاجنا بالرؤوس القميئة التي يتم تكسيرها في خضم ما تُسمّى "فضيحة ابستين"، السؤال الذي لا بدّ أن نسأله لأنفسنا: هل ما يحتاجه العالم وما تحتاجه البشريّة وما تحتاجه الشعوب في هذه المرحلة من التاريخ هو "تكسير الرؤوس" التي تفعل بها كذا وكذا.. أم أنّ ما تحتاجه حقّاً هو "قصف الرقاب" التي تتحكّم بهذه الرؤوس وتوجّهها لاقتراف كلّ ما نشهده من جرائم وموبقات ومخازي؟!

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير