2026-02-25 - الأربعاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

تفكيك المشهد الإيراني: محاولة فهم لا إصدار حُكم

المحامية رحمه العزه
جو 24 :
 
 
لا تبدو التطورات الإيرانية الأخيرة سلسلة أحداث منفصلة، فمن احتجاجات في الجامعات، وانهيار اقتصادي، ومفاوضات نووية متعثرة، وحشود عسكرية، ثم خطاب دولي يتحدث عن تغيير النظام، يمكن – وفق إحدى الفرضيات – النظر إليها بوصفها لوحة واحدة تتحرك فيها ثلاثة مسارات متزامنة: ضغط داخلي اجتماعي، وضغط تفاوضي دبلوماسي، وضغط ردعي عسكري، وعند تقاطع هذه المسارات تظهر اللحظة الإيرانية الراهنة بوصفها من أخطر مراحل ما بعد عام 1979، ليس لأن النظام على وشك السقوط، بل لأن تعريف موقع إيران في العالم أصبح محل صراع.
وقراءة الاحتجاجات باعتبارها بداية لسقوط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن المعطيات البنيوية للدولة لا تدعم هذا التفسير بشكل كامل، فالأنظمة تسقط عادة عندما تتوافر ثلاثة شروط: انقسام داخل النخبة الحاكمة، وانهيار الجهاز الأمني، وفقدان الشرعية الاجتماعية الكاملة. وفي الحالة الإيرانية، ووفق المؤشرات الحالية، لا يزال الجهاز الأمني متماسكاً عقائدياً، والنخبة لم تنقسم بصورة حاسمة، والشرعية لم تختفِ.
بناءً على ذلك يمكن افتراض أن الحراك الشعبي لا يشبه ثورات إسقاط الأنظمة بقدر ما يشبه ضغطاً سياسياً داخلياً متزامناً مع المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران؛ أي أن الشارع، في هذه القراءة، لا يعمل بمعزل عن الدبلوماسية بل يدخل ضمن بيئة الإكراه التي تهدف لرفع تكلفة رفض التنازلات على القيادة الإيرانية، وبهذا يمكن فهم الاحتجاجات كبديل أقل كلفة للحرب، فإن نجح الضغط الداخلي تغيّر السلوك دون مواجهة عسكرية، وإن فشل انتقلت الأزمة إلى مرحلة تصعيد محدود.
كما تُعتبر الجامعات الإيرانية تاريخياً مركز التحولات السياسية، لأنها تمثل طبقة متعلمة غير مستفيدة اقتصادياً من بنية السلطة، ولا تعتمد على الدعم الحكومي كالطبقات الأفقر، لذلك يمكن تفسير الاحتجاجات داخلها بوصفها مرآة للأزمة الاجتماعية، لا مجرد مطلب اقتصادي، بل عملية إنتاج وعي سياسي بطيء يضغط على النظام تدريجياً أكثر مما يهدده بالانهيار السريع.
ووفق هذا التصور التحليلي، تبدو إيران في حالة استقرار سياسي وتخبط أمني، والحديث عن عودة الملكية في إيران لا يعكس مشروعاً واقعياً إنما يمثل أداة سياسية رمزية لتوحيد المعارضة حول شخصية ما، وأن طرح النموذج الملكي ما هو إلا حلاً مقدّماً للغرب بدون أيديولوجية واضحة أو مشروع سياسي إداري لمؤسسات الدولة الإيرانية، في حين أن النظام الملكي يصطدم بتحول عميق داخلياً في المجتمع الإيراني منذ الثورة الإسلامية، كما أن الدولة الإيرانية تمتلك مؤسسات عميقة وهوية قومية قوية وأجهزة عقائدية، ما يجعل سيناريو الانهيار الشامل أقل ترجيحاً من سيناريو اضطرابات طويلة مع إعادة تشكل تدريجي للنظام السياسي.
كما يمكن افتراض أن الاحتجاجات تنشأ داخلياً بسبب الاقتصاد والبطالة وارتفاع الأسعار، لكنها تتضخم بفعل التفاعل الخارجي، فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تصنعان الحراك بل توظفانه كورقة ضغط ضمن التفاوض، بهدف تغيير السلوك الاستراتيجي دون حرب مباشرة، أي انتقال من سياسة تغيير النظام بالقوة إلى تغييره بالضغط المركب.
في هذا السياق يمكن النظر إلى البرنامج النووي بوصفه مزدوج الوظيفة: شرعية داخلية باعتباره رمز استقلال، وردع خارجي يمنع إنهيار النظام. وبالتالي فإن أي تقليص جذري له أو للصواريخ أو للنفوذ الإقليمي لن يكون مجرد تنازل تفاوضي لرفع العقوبات، بل تحوّلاً يمس فلسفة القيادة الإيرانية ذاتها حتى لو بقيت مؤسساتها.
وعليه، لا تقف إيران وفق هذه القراءة على أبواب ثورة شاملة ولا حرب مؤكدة، بل أمام مفترق تاريخي يتعلق بموقعها في النظام العالمي الجديد، والاحتجاجات والعقوبات والمفاوضات ليست مسارات منفصلة بل أدوات ضمن عملية واحدة تهدف إلى دفع إيران من دولة ثورية مستقلة إلى دولة مُذابة في التوازن الدولي. أما التحول الديمقراطي الشامل فيبقى احتمالاً نظرياً بعيد المدى، إن حدث فسيكون تدريجياً عبر إعادة توزيع السلطة، ولهذا فالسؤال الحقيقي أصبح أي نوع من الدول ستصبحه إيران عندما تنتهي مرحلة المفاوضات؟

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير