سياقات الآية ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (١)
د. نبيل الكوفحي
جو 24 :
رمضانيات (٤)
…
في شهر الصيام حريّ بالقارىء لكتاب الله المتمعن فيما يقرأ، لان الله خاطبنا بقوله ( افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها ). من السور ذات الاثر النفسي لرفع الشعور بعزة المؤمن والفهم العميق لطبيعة الصراعات مع أعداء الله وإدارتها هي سورة الأنفال، ففي الاية[ ٦٠] من السورة جاء قوله تعالى (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ) والتي وردت منفردة بهذا النص والمعنى في القران الكريم.
في تدبرنا للقران لفهمه وتفسيره، لابد ان ننظر لسياق الايات المحيطة بالايات المراد فهمها وتفسيرها والسمة العامة للسورة. في سورة الأنفال نجد ان الآية جاءت ضمن سياق اوسع؛ تضمن اجواء الصراع مع الكافرين المعتدين، وبدأها بفرعون اسوأ النماذج البشرية. فقد جاءت الايات السابقة لها تتحدث عن قصة فرعون مرتين وأنهم كذبوا وكفروا بايات الله، فكانت النتيجة عذابهم وهلاكهم (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [54].
وجاءت الايات السابقة مباشرة لها تتحدث عن الخيانة ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) [58]، وكذلك جاءت الايات التي بعدها تتحدث عن الخديعة ( وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) [62]. وكلا السياقين في ذات المعنى، وان كانت الخيانة اشد اثرا من الخديعة، لانها تقوم على نقض عهد وميثاق.
ثم جاءت الايات التي بعدها لتتحدث عن ركيزة أساسية مرتبطة بالقوة وهي الاخوة الايمانية لفئة المؤمنين الذين عدهم نعمة ولازمة من لوازم القوة - كما في الاية السابقة- قوله تعالى ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [63]. واكد مرة أخرى هذه العدة المهمة التي وردت بالآية [ ٦٢] بقوله ( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) بشكل حصري بقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [64]
لتخلص إلى النتيجة في الاية[ ٦٥ ] وهي المعيار الكمي لقوة المومنين في حالة الاستنفار ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) [65]، وفي حالة الرخاء ( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [ 66]. مع الاشارة إلى التركيز على زيادة العدد لتعويض النوع في في حال قلته، فليس عبثا الانتقال من عشرين صابرة إلى ألف منكم. والمقصود بالمضاعفة هنا ليست حدية النسبة بل المفهوم العام والله أعلم.
ونكمل التدبر في المقال القادم حول مفهوم القوة المستطاعة ان شاء الله. وتقبل الله صيامكم وتدبركم لكتابه








