jo24_banner
jo24_banner

الدور الأردني والخطر الداهم

د. حسن البراري
جو 24 :

ليس من العبث أن يكتب الروائي الانجليزي الشهير جورج أورويل (اسمه المستعار) عام ١٩٤٦ عن أن اللغة تشوّه الفكرة كما أن الأخيرة تشوّه الأولى. ففي كثير من الاحيان يقع المحللون والمتابعون ضحية اللغة وينساقون في تحليلهم الاستراتيجي المضلل بوحي من أفكار وتعبيرات شوّهتها اللغة. ولعل من أجمل وأفضل ما قرأت مؤخرا عن هذا الموضوع هو ما كتبه البرفسور رشيد الخالدي الذي يعمل بجامعة نيويورك في كتابه الذي نشر قبل ثلاثة اشهر بعنوان “وسطاء الخداع،” وفيه ينتقد بشكل لاذع دور الولايات المتحدة في لعب دور “الوسيط النزيه.”

في هذه العجالة سأتوقف عند تعبير “الدور الاردني” في الحل النهائي لتفكيك هذا التعبير وذلك لكشف الخداع الكبير الذي ينطوي عليه، وللأسف نجد بعض الرسميين الأردنين (وبخاصة الذين اعتبروا أن العلاقة مع الولايات المتحدة هي هدف استراتيجي بدلا من كونها علاقة تخدم المصالح الأردنية الاستراتيجية) يتحمسون للعب دور في التسوية النهائية لأن ذلك يرفع من قيمة الدولة استراتيجيا ويجعلها ذات صلة فيما يجري في الإقليم وذلك للحصول عى مزيد من المساعدات أو ما دأبت شخصيا على تسميته بالريع الاستراتيجي. وفي هذا السياق اسجل اعجابي بالالتقاطة الذكية للاستاذ عدنان أبوعودة التي دائما ما يكررها وهي طالما أن الدولة معنية فقط بمعالجة العجز في الموازنة فهي ستبقى عرضة للانصياع للولايات المتحدة ولمنطق توازن القوى الذي لا يخدم الأردن.


فهؤلاء السياسيون (وبخاصة التكنوقراط الذين وصلوا إلى مواقع رفيعة دون أن نعرف لماذا وقعوا ضحية لفكرة أن الاردن “شريك” للولايات المتحدة وأن الأخيرة هي من يمتلك مفتاح الحل ،الأمر الذي يضمن مصالح الأردن، بمعنى أن السياسة الخارجية الاردنية ينبغي ان تسعى إلى توظيف العلاقة مع اميركا لحث إسرائيل على قبول حل للصراع مع الفلسطينيين.

سجل الدبلوماسية الأردنية بهذا الصدد يشير إلى فشل ذريع يستدعي اجراء مراجعة بدلا من الانسياق نحو وهم وخداع للذات.


فالراهن أن الولايات المتحدة لا يمكن لها موضوعيا ان تلعب دور الوسيط النزيه لسببين .الأول: وهو ما يؤكده البرفسور شبلي تلحمي من جامعة ميرلاند الاميركية وهو أن الرئيس الأميركي لا يمكن له ممارسة الضغط على إسرائيل بفعالية إلا إذا تمكن من تقديم حل الصراع كمصلحة استراتيجية للولايات المتحدة، والحقيقة ان الشخصيات ومنها ديفيد بيترايوس التي كانت ترى ان حل الصراع يصب في مصلحة الولايات المتحدة ، فضلا عن أن السياق الذي دفعهم لاستبطان تلك النتجية قد تغير بعد الثورات العربية. والسبب الثاني: هو أن فريق السلام الأميركي يعمل فقط للدفاع عن اسرائيل لدرجة أن ارون ديفيد ميلر المستشار السابق لستة وزراء خارجة وأحد أبرز اعضاء فريق السلام لغاية عام ٢٠٠٣ كتب كتابا وصف به دور الفريق الاميركي كدور المحامي عن اسرائيل.


فنحن لسنا شريكا بالمعنى الحقيقي والعلاقة مع الولايات المتحدة هي علاقة تبعية ونخدع انفسنا ونسمح للغة ان تخدعنا ان اعتقدنا بأن الاردن هو شريك لاميركا، فهناك اختلال assymetery في العلاقة وعلينا فهم ذلك للبحث عن خيارات إلا إذا كنا نعرف ذلك ولكننا على حد تعبير نزار قباني "مهرولون." وإذا كنا كذلك، فما هو الثمن لقاء ذلك ومن يقبضه؟!


فالدور الاردني لا يتعدى التعامل مع مخرجات حل اقليمي او ثنائي فلسطيني اسرائيلي ليس للاردن فيه رأي، ويبقى جوهر الدور الأردني في هذه الحالة مرهون بموازين القوى بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، ولنا عندها أن نتخيل حجم المأساةّ، فالجانب الفلسطيني معني فقط بالحدود والقدس، وهناك جهد أميركي حثيث لتجسير الهوة مع أن هناك عائق اصرار اسرائيل على التواجد العسكري في منطقة غور الأردن وصعوبة التوصل إلى اتفاق بشأن القدس.

وسيطلب الشريك الأمريكي من الأردن أن يقدم مساهمات للتعامل مع حل للصراع يقفز عن حق اللاجئين في ممارسة حق العودة، ولعب دور أمني في الأراضي الفلسطينية. وهناك مدرسة قوية في إسرائيل وبخاصة لدى الاجهزة الأمنية تريد ان يكون الاردن الشريك الأمني وهو ما فهمه الجانب الأردني منذ مدة فتح فيها عبدالسلام المجالي بصفته الشخصية حوارا مع وفد اسرائيلي في العقبة، وكان رأي عبدالسلام المجالي عندها أن اسرائيل تثق بالاردن وبالتالي يمكن لها التنازل للأردن وليس للفلسطينيين، وكنت وما زلت اعتقد ان قراءة المجالي ليست واقعية.


أعتقد أنه وفي حال اجراء المفاوضات واستمرارها وفق هذا التصور فإن الاردن سيبقى sitting duck أي سيبقى مكشوفا ومنتظرا ما ستنتهي اليه المفاوضات لكي يقبل بها وبصرف النظر عن كيف ستنسف هذه النتائج إسس الدولة الأردنية كما نعرفها.

وفي هذا السياق يحتل الاردن مكانة بل ودورا هاما في فكر الليكود سأتناولها في المقال القادم حتى تكتمل الصورة.


ومع ذلك وبالرغم من المحاولة الاميركية بقيادة كيري الذي يريد أن يترك بصمته على الشرق الأوسط او يبقي تركته في مسار عملية السلام فإن ديناميكية القوة داخل اسرائيل لا تسمح بأي حل من هذا النوع، ومن هنا ما سينقذ الأردن مرحليا ليس موقف القيادة الفلسطينية في التفاوض وليس صلابة السياسة الخارجية الأردنية بل التعنت الإسرائيلي بقيادة الليكود. وهذا أمر سيدفع بفكرة حل الدولة الواحدة إلى مسرح النقاش السياسي.

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير