في الأول من أيار، لا تبدو التهنئة كافية، رغم صدقها. كل عام وعمال الأردن بخير، لكن هذا "الخير” يحتاج إلى مراجعة. بعد سنوات قضيتها في السماء، حيث تُقاس الأمور بالدقة والانضباط، أجدني اليوم أراقب واقع العمال على الأرض، فأرى فجوة واضحة بين ما يجب أن يكون… وما هو كائن.
بقي الحد الأدنى للأجور في الأردن عند 220 دينارًا لسنوات طويلة، وكأنه رقم ثابت في عالم متغير. ثم جاء رفعه إلى 260 دينارًا بعد انتظار امتد لسنوات، فبدا القرار وكأنه إنجاز. لكن الحقيقة أن هذه الزيادة لم تكن كافية لتغيير جوهري في حياة العامل، لأن تكاليف المعيشة كانت قد سبقت هذا الرقم بمراحل. فالإيجارات ارتفعت، وأسعار الغذاء تضاعفت، والنقل أصبح عبئًا يوميًا، حتى أصبح الأجر لا يكفي إلا لتسيير الحد الأدنى من البقاء.
هنا تظهر المفارقة المؤلمة: القانون يتحرك ببطء، بينما الحياة تتسارع. العامل يقف بين دخل محدود واحتياجات مفتوحة، فيجد نفسه مضطرًا لإعادة تعريف الحياة نفسها، لا بما يستحقه، بل بما يستطيع تحمله. وهكذا، لا يصبح الأجر وسيلة للعيش الكريم، بل وسيلة لتأجيل العجز.
ورغم أن القوانين تنص على حقوق واضحة—من ساعات عمل محددة إلى حماية من الفصل التعسفي—إلا أن التطبيق لا يعكس دائمًا هذه الصورة. فهناك من يعمل ساعات إضافية دون أجر، ومن ينتظر راتبه، ومن يخشى المطالبة بحقه خوفًا من فقدان عمله. وهنا، لا تغيب القوانين، بل تغيب العدالة التي يفترض أن تحملها.
أما العمالة غير المنظمة، فهي قصة أخرى تُروى بصمت. شريحة واسعة تعمل خارج مظلة الحماية، بلا ضمان اجتماعي، ولا أمان وظيفي، ولا صوت نقابي حقيقي. وكأنها تعمل في ظل اقتصاد موازٍ، لا تراه القوانين بوضوح، رغم حضوره الكبير في الواقع.
وفي جانب آخر، تواجه المرأة العاملة تحديات مركبة. فبينما يمنحها القانون حقوقًا مهمة، يفرض الواقع قيودًا غير معلنة، تجعل هذه الحقوق أحيانًا سببًا في تقليل فرصها. وهنا، يتحول الحق إلى اختبار، بدل أن يكون ضمانة.
من تجربتي كطيار، كنت أعلم أن أي خلل، مهما كان صغيرًا، يجب أن يُعالج فورًا، لأن التأخير قد يكون مكلفًا. لكن في سوق العمل، يستمر الخلل سنوات: أجور لا تكفي، فجوة تتسع، وإصلاحات تأتي متأخرة. وكأن الزمن، حين يتعلق بحياة العامل، يفقد أهميته.
الإصلاح لا يكون برفع رقم فقط، بل بإعادة التوازن. أن يُربط الأجر بتكاليف المعيشة، وأن تُفعل القوانين لا أن تُكتب فقط، وأن يُنظر إلى العامل كإنسان قبل أن يكون وسيلة إنتاج. العدالة ليست نصًا، بل ممارسة يومية.
في النهاية، عيد العمال ليس يومًا للاحتفال فقط، بل لحظة مواجهة مع الحقيقة.
هل نريد عاملًا يعيش… أم عاملًا يبقى فقط؟
كل عام وأنتم بخير، يا من تحملون ثقل الحياة وتصنعون معناها.
الحكمة:
"حين يصبح الأجر أقل من الحياة، لا يكون الظلم في الرقم… بل في الصمت الذي يحيط به.”
.
