عبدالرزاق بني هاني يكتب عن الجهل العقلاني
جو 24 :
كتب - عبدالرزاق بني هاني
في الاقتصادات التي تقف على حافة المفارقة، حيث يتجاور الفقر مع الوفرة، والبطالة مع الإمكانات غير المستثمرة، لا تكون المشكلة في ندرة الموارد بقدر ما تكمن في صمت البدائل. وهذا الصمت ليس حياداً، بل هو شكل من أشكال الفعل السلبي؛ إذ تُدفن الإمكانيات تحت ركام من الخيارات المؤجلة، والسياسات المترددة، والبُنى الذهنية التي تعجز عن تحويل الممكن إلى واقع. حين تمتد الأراضي الزراعية بلا زراعة، وتغمر الشمس فضاءات لا تُحوَّل إلى طاقة، يصبح السؤال فلسفياً قبل أن يكون اقتصادياً؛ لماذا تفشل المجتمعات في رؤية ما هو أمام أعينها؟ لكن هذا الفشل في الإبصار لا ينشأ من العمى، بل من اعتيادٍ طويل على تأجيل المعنى نفسه. فالمجتمعات التي تتكيف مع النقص، رغم وفرة كامنة، تُعيد تعريف الممكن بوصفه مستحيلاً، وتتعامل مع الوفرة كأنها هامش لا يدخل في صلب القرار. وهنا تتشكل ثقافة التبرير، حيث تُستبدل الأسئلة الجوهرية بسرديات تلطيفية تُخدّر الإحساس بالعجز، وتمنح الاستمرار في الركود مشروعية ضمنية. ولا تختفي البدائل الصامتة، بل تُقصى من مجال الانتباه، وتُدفع إلى أطراف الوعي الجمعي، حيث لا تُهدد توازن الوهم القائم. ومع الزمن، يتحول هذا الإقصاء إلى بنية ذهنية راسخة، تُعيد إنتاج ذاتها عبر الأجيال، فيغدو التفكير في الاستغلال الأمثل للموارد نوعاً من الترف النظري لا أولوية عملية. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الجرأة على الاعتراف بوجودها.
ليست البطالة المرتفعة، في سياق الوفرة الطبيعية، مجرد خلل في سوق العمل، بل هي علامة على اختلال أعمق في بنية الإدراك الجمعي. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بالكفاءة المضللة، حيث تُقاس الكفاءة بمعايير شكلية أو محاسبية ضيقة، تُخفي تحتها هدراً هيكلياً هائلاً. فقد يبدو النظام الاقتصادي متوازناً في دفاتره، لكنه في جوهره يعاني من سوء تخصيص مزمن، حيث تُفضَّل الأنشطة سريعة الربح، أو المدعومة خارجياً، على حساب استثمارات طويلة الأمد في الزراعة أو الطاقة المتجددة. والكفاءة هنا تتحول إلى قناع؛ تُخفي عجزاً عن اتخاذ القرار الصحيح، وتُشرعن الاستمرار في الخطأ. ويزداد هذا الاختلال تعقيداً حين تُختزل الكفاءة في قدرتها على تحقيق نتائج آنية قابلة للقياس، بينما تُهمَّش القيم المرتبطة بالاستدامة والتراكم طويل الأمد. فالكفاءة المضللة لا تُخطئ في الحساب، بل تُخطئ في معيار الحساب ذاته، إذ تزن الأشياء بميزانٍ مبتورٍ لا يرى إلا ما يُدرّ عائداً سريعاً، ويتجاهل ما يبني أساساً متيناً للمستقبل.
وفي هذه البيئة، تُصبح القرارات التي تهمل الزراعة أو الطاقة المتجددة منطقية ضمن إطارها الضيق، رغم أنها تُراكم خسائر استراتيجية صامتة. وهكذا، يتحول الاقتصاد إلى آلة إنتاج أرقام لا معنى لها خارج سياقها اللحظي، بينما تتآكل قدرته الحقيقية على الصمود والتجدد. ولا يكمن الخطر هنا في الخطأ الظاهر، بل في صحةٍ زائفة تُقنع الجميع بأن المسار سليم، في حين أنه يقود إلى فراغ بنيوي متنامٍ. ويتغذى هذا القناع على ما يُعرف بالجهل العقلاني. فالأفراد، بل وحتى صناع القرار، قد يختارون عدم المعرفة، أو التغاضي عن الحقائق المعقدة، لأن كلفة الفهم أعلى من العائد المتوقع منه. وفي ظل نظم سياسية واقتصادية لا تكافئ الرؤية بعيدة المدى، يصبح من العقلاني، وبشكل متناقض ظاهرياً، أن يظل المرء جاهلاً. وهكذا، تتراكم القرارات قصيرة النظر، وتُهمل البدائل الصامتة، ليس لأنها غير موجودة، بل لأنها تتطلب جهداً معرفياً وإرادة سياسية لا تتوافر في بيئة مشبعة بعدم اليقين والمخاطر. أما الجهل العقلاني، فلا يعمل كغيابٍ للمعرفة بقدر ما يعمل كآلية دفاع نفسية اجتماعية، تحمي الأفراد والمؤسسات من مواجهة تعقيد الواقع. فحين تكون الحقيقة مكلفة، ومواجهة الاختلال تتطلب تغييرات مؤلمة، يصبح التغاضي خياراً مريحاً، بل عقلانياً، ضمن شروط البيئة المحيطة. وبهذا المعنى، لا يُعد الجهل خللاً طارئاً، بل استراتيجية ضمنية لإدارة القلق وعدم اليقين. لكن هذه الاستراتيجية، وإن بدت فعّالة على المدى القصير، فإنها تُنتج مع الزمن فجوة متسعة بين الواقع كما هو، والواقع كما يُتصوَّر. وهذه الفجوة هي التي تسمح باستمرار السياسات غير المجدية، وتُبقي البدائل الصامتة خارج دائرة الفعل. فالمجتمع الذي لا يُكافئ المعرفة، ولا يُحمّل الجهل كلفة، يخلق توازناً هشّاً، يبدو مستقراً، لكنه في الحقيقة قائم على تجاهلٍ منهجي لما هو حاسم. وفي هذا السياق، تدخل المساعدات الخارجية بوصفها نفعاً مفخخاً. فهي، في ظاهرها، استجابة إنسانية أو دعم تنموي، لكنها في باطنها قد تعيد تشكيل أولويات الدولة، وتُعيد توجيه مواردها بما يخدم أجندات خارجية. فيصبح الاعتماد على هذه المساعدات بديلاً عن بناء قدرات ذاتية، وتتحول الدولة إلى متلقٍ دائم، لا فاعل مستقل. وهذا النفع لا يُنتج تنمية، بل يُنتج تبعية، ولا يُعزز السيادة، بل يُقوّضها تدريجياً، تحت غطاءٍ من الخطاب التنموي. وفي ظل هذا التوازن الهش، تكتسب المساعدات الخارجية قوة مضاعفة، لأنها لا تدخل إلى فراغ، بل إلى بنية مستعدة لاستقبالها بوصفها حلاً جاهزاً. لكن هذا الاستقبال لا يكون بريئاً، إذ يُعيد تشكيل أولويات الدولة وفق منطق التمويل لا منطق الحاجة. ومع تكرار الاعتماد، تتآكل القدرة على المبادرة، ويُعاد تعريف التنمية كاستجابة لشروط المانح، لا كتحقيق لأهداف ذاتية. وهنا، يتعمق النفع المفخخ ليصبح نمطاً من التكيف، حيث يُفضَّل الاستمرار في تلقي الدعم على خوض مغامرة الاستقلال. ومع الزمن، تُصبح هذه العلاقة غير المتكافئة، جزءاً من البنية الاقتصادية، لا طارئاً عليها، ما يجعل الفكاك منها أكثر كلفة وتعقيداً.
أما المؤسسات التمويلية الدولية، التي يُفترض أن تكون حارسة للاستقرار، فقد تُمارس دوراً أكثر تعقيداً. فهي لا تفرض سياسات بشكل مباشر فحسب، بل تُعيد صياغة الإطار الفكري الذي تُفهم من خلاله التنمية. تُقدَّم وصفات جاهزة، تُبنى على نماذج نظرية قد لا تنطبق على السياقات المحلية، وتُربط بشروط تمويلية تجعل من الصعب رفضها. هنا، لا يكون السم في العسل مجرد استعارة، بل توصيفاً دقيقاً لآليات ناعمة تُعيد تشكيل الاقتصاد من الداخل، دون مقاومة تُذكر. وتتجلى خطورة هذا النمط بشكل أوضح في الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية الدولية، إذ لا تكتفي بتقديم التمويل، بل تُعيد تشكيل اللغة التي يُفكَّر بها في الاقتصاد. فهي تُقدّم مفاهيم ومعايير تبدو علمية ومحايدة، لكنها تحمل في طياتها افتراضات قد لا تنسجم مع الخصوصيات المحلية. وعندما تُربط هذه المفاهيم بشروط تمويلية، تتحول إلى أدوات إلزام غير مباشر، تُعيد توجيه السياسات من الداخل. وبذلك، لا يكون التأثير في القرارات فحسب، بل في الإطار الذهني الذي تُتخذ ضمنه هذه القرارات. وهذا التحول الصامت في البنية الفكرية هو ما يجعل السم في العسل أكثر فاعلية، لأنه لا يُقاوَم بوصفه تدخلاً، بل يُستقبل كخبرة أو معرفة.
في ظل هذه الشبكة من كفاءة مضللة، وجهل عقلاني، ونفع مُفخخ، تغيب البدائل الصامتة عن الوعي الجمعي. لا لأن الناس لا يرون الشمس أو الأرض، بل لأنهم لا يرون أنفسهم كفاعلين قادرين على تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية. وتُختزل التنمية في تدفقات مالية، لا في بناء قدرات؛ وفي مؤشرات رقمية، لا في تحولات بنيوية. وفي خضم هذه التفاعلات، تتراجع البدائل الصامتة ليس فقط من حيث التنفيذ، بل من حيث التخيل ذاته. فالمجتمع الذي يُعيد إنتاج أولوياته وفق إملاءات خارجية، أو وفق مقاييس كفاءة مبتورة، يفقد تدريجياً قدرته على تصور مسارات مختلفة. وتُصبح الإمكانيات الكامنة مجرد خلفية صامتة، لا تدخل في الحسابات الفعلية.
وهنا، يتحول العجز من حالة مؤقتة إلى بنية دائمة، لأن ما لا يُتخيَّل لا يمكن أن يُنفَّذ. وغياب البدائل عن الخيال الجمعي هو أخطر من غيابها عن الواقع، لأنه يُغلق باب التغيير قبل أن يُفتح. والخروج من هذا المأزق لا يبدأ بإصلاح تقني، بل بإعادة تأسيس فلسفة الفعل الاقتصادي. ويجب أن يُعاد تعريف الكفاءة لتشمل البُعد الزمني، والاستدامة، والسيادة. وأن يُكسر منطق الجهل العقلاني عبر بناء مؤسسات تُكافئ المعرفة، وتُعاقب القصور. وأن يُعاد تقييم المساعدات الخارجية لا بوصفها هبة، بل كعلاقة قوة يجب إدارتها بوعي عميق واستراتيجي. ومن هنا، فإن أية محاولة للخروج من هذا المأزق تقتضي إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والفعل، وبين الإدراك والإرادة. فالمشكلة لم تعد تقنية يمكن حلها بأداة أو سياسة معزولة، بل هي بنيوية تتطلب تحولاً في طريقة التفكير ذاتها.
ويجب أن يُعاد الاعتبار للزمن الطويل في تقييم القرارات، وأن تُربط الكفاءة بالقدرة على الاستدامة لا بالربحية الآنية. كما يجب تفكيك منطق الجهل العقلاني عبر خلق بيئات تُكافئ الفهم العميق، وتُحمّل التجاهل كلفة حقيقية. وعند هذه النقطة، فقط، يمكن للبدائل الصامتة أن تجد طريقها إلى الفعل. في النهاية، ليست المشكلة أن البدائل صامتة، بل أننا لا نصغي. وحين يتعلم المجتمع كيف يُنصت لما هو ممكن، لا لما هو مفروض، تبدأ لحظة التحول. إنها لحظة يتقاطع فيها الإدراك مع الإرادة، فيتحول الصمت إلى فعل، والإمكان إلى واقع. وأخيراً، فإن لحظة التحول لا تأتي من الخارج، بل تُصنع حين يتغير موقع الإنسان داخل معادلة الواقع. فبدلاً من أن يكون متلقياً لما يُفرض عليه، يصبح فاعلاً يُعيد تعريف شروطه. وهذه النقلة ليست تقنية، بل وجودية، لأنها تتعلق بكيفية فهم الذات ودورها في العالم. حين يدرك المجتمع أن ما يبدو قدراً هو في الحقيقة نتيجة خيارات متراكمة، تنفتح أمامه إمكانية إعادة الكتابة. وعندها، لا يعود الصمت قدراً، بل يصبح مرحلة تسبق الكلام، لا بديلاً عنه. وهكذا فقط، يمكن للإمكان أن يتحرر من سجنه، ويتحول إلى واقع يُعاد تشكيله بإرادة واعية.







