jo24_banner

ترامب بين طهران وبكين: كيف تصنع الحروب صورة “القائد”؟

أ.د احمد القطامين
جو 24 :


في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الزعماء فقط بما يملكونه من جيوش أو اقتصاد، بل باللحظة السياسية التي يتحركون فيها. ولهذا فإن الحديث عن احتمال زيارة دونالد ترامب إلى الصين لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها احتمالات التصعيد أو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. فالحرب، أو حتى الاقتراب منها، قد تتحول إلى عنصر حاسم في تحديد شكل الزيارة ومعناها السياسي.

إذا دخلت واشنطن في مواجهة مباشرة مع إيران، أو نجحت في فرض شروطها الإقليمية دون تكلفة كبيرة، فإن ترامب قد يصل إلى بكين بصورة "القائد المنتصر” الذي أعاد تثبيت الهيبة الأمريكية في الشرق الأوسط قبل أن يفتح ملف التوازن مع الصين. وفي هذه الحالة، تصبح الزيارة امتدادًا لصورة القوة الأمريكية عالميًا، وليس مجرد محاولة لتحسين العلاقات التجارية أو تهدئة التوترات الاقتصادية.

منذ سنوات، يقدّم ترامب نفسه باعتباره زعيمًا يرفض إظهار الضعف أمام الخصوم. وقد استخدم في ولايته السابقة سياسة "الضغط الأقصى” ضد إيران، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية المحدودة أو عزل طهران سياسيًا. لذلك فإن أي نجاح أمريكي في هذا الملف سيُستخدم داخليًا وخارجيًا لتعزيز صورة ترامب كرجل قادر على فرض الإرادة الأمريكية بالقوة إذا لزم الأمر.

وفي السياق ذاته، تدرك الصين أن أي قائد أمريكي يخرج من أزمة إقليمية بصورة المنتصر سيكون أكثر ثقة أثناء التفاوض. فالقوة العسكرية تنعكس تلقائيًا على النفوذ السياسي والاقتصادي. وإذا بدا أن واشنطن استعادت زمام المبادرة في الشرق الأوسط، فإن بكين ستقرأ ذلك باعتباره مؤشرًا على أن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على إدارة عدة جبهات في وقت واحد: الشرق الأوسط، وأوروبا، وآسيا.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالحرب مع إيران تحمل أيضًا مخاطر كبيرة. أي مواجهة واسعة قد ترفع أسعار النفط، وتضرب الأسواق العالمية، وتزيد التضخم داخل أمريكا نفسها. كما أن التورط العسكري الطويل قد يعيد إلى الأذهان تجارب أمريكية مرهقة في الشرق الأوسط. وهنا تكمن المفارقة: الحرب قد تصنع صورة القوة بسرعة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عبء سياسي إذا خرجت عن السيطرة.

ولهذا فإن ترامب، إذا كان يفكر بمنطق "الزيارة من موقع الانتصار”، قد لا يحتاج إلى حرب شاملة بقدر ما يحتاج إلى إظهار تفوق استراتيجي واضح. أحيانًا يكفي تحقيق ردع قوي، أو فرض تفاهمات إقليمية، أو توجيه ضربة محسوبة تُظهر أن واشنطن ما تزال صاحبة اليد العليا. فالمهم في السياسة الحديثة ليس فقط ما يحدث ميدانيًا، بل كيف يُقدَّم للرأي العام العالمي.

أما الصين، فهي تراقب هذا المشهد بحذر شديد. بكين تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الشرق الأوسط لضمان تدفق الطاقة والتجارة، ولا ترغب في فوضى عسكرية واسعة. لكنها في الوقت نفسه تراقب قدرة الولايات المتحدة على إدارة الصراعات الكبرى. فإذا خرجت واشنطن قوية من مواجهة مع إيران، فإن ذلك قد يدفع الصين إلى التعامل بحذر أكبر مع ترامب. أما إذا غرقت أمريكا في أزمة طويلة أو مكلفة، فقد ترى بكين أن الوقت يعمل لصالحها.

إضافة إلى ذلك، فإن أي تصعيد أمريكي إيراني سيؤثر مباشرة على الحسابات الصينية في ملفات أخرى، مثل تايوان والتجارة والتكنولوجيا. فالصين تفضّل عادة أن تكون الولايات المتحدة منشغلة في مناطق متعددة، لأن ذلك يخفف الضغط الاستراتيجي عنها في آسيا. لذلك قد تنظر بكين إلى أي حرب طويلة مع إيران باعتبارها استنزافًا أمريكيًا، حتى لو بدأت واشنطن المواجهة من موقع قوة.

في النهاية، تبدو الزيارة المحتملة إلى الصين مرتبطة بسؤال أكبر: كيف يريد ترامب أن يظهر أمام العالم؟ هل كقائد أعاد فرض الهيبة الأمريكية عسكريًا وسياسيًا قبل الجلوس مع بكين؟ أم كزعيم يواجه تعقيدات داخلية وخارجية تجعله يبحث عن تفاهمات سريعة؟

في عالم السياسة الدولية، لا توجد لقاءات بريئة أو محايدة. كل صورة، وكل توقيت، وكل مصافحة تحمل رسالة. وإذا دخل عامل الحرب مع إيران إلى المعادلة، فإن زيارة الصين لن تكون مجرد حدث دبلوماسي، بل جزءًا من سباق عالمي على النفوذ والصورة والقدرة على فرض التوازنات الجديد.


qatamin8@hotmail.com

*اكاديمي اردني

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير