بين منطق القوة وحسابات الكلفة: تيارات متباينة داخل الإدارة الأمريكية بشأن الحرب
أ.د احمد القطامين
جو 24 :
تشهد مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة انقسامًا واضحًا حول كيفية التعامل مع إيران، ولا سيما فيما يتعلق بخيار الحرب. فعلى عكس الصورة التي قد توحي بوجود موقف أمريكي موحّد، تكشف النقاشات داخل الإدارة الأمريكية عن تيارات متعددة ومتنافسة، لكل منها رؤيته الخاصة لطبيعة التهديد الإيراني وسبل مواجهته.
في مقدمة هذه التيارات يبرز التيار المتشدد، المعروف بـ"تيار الصقور”، والذي يرى أن إيران تمثل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للمصالح الأمريكية وحلفائها، خصوصًا إسرائيل. ويعتقد أنصار هذا الاتجاه أن سياسة العقوبات والمفاوضات لم تنجح في كبح البرنامج النووي الإيراني ولا في الحد من نفوذ طهران الإقليمي. لذلك يدفعون باتجاه استخدام القوة العسكرية، سواء عبر ضربات محدودة تستهدف المنشآت النووية أو من خلال تصعيد عسكري أوسع، معتبرين أن الحسم العسكري قد يكون أقل كلفة من ترك إيران تفرض أمرًا واقعًا جديدًا في المنطقة.
في المقابل، يظهر تيار واقعي براغماتي داخل البنتاغون وأجهزة الاستخبارات، يتعامل بحذر شديد مع خيار الحرب. هذا التيار لا يستبعد استخدام القوة من حيث المبدأ، لكنه يرى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران ستكون معقدة وطويلة، وقد تؤدي إلى اشتعال جبهات متعددة في الخليج والعراق ولبنان. كما يحذر من أن الحرب قد تجر الولايات المتحدة إلى صراع إقليمي واسع، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط والتركيز على منافسين دوليين كالصين وروسيا.
إلى جانب ذلك، يتمسك التيار الدبلوماسي بخيار التفاوض، ويعتبره السبيل الأقل كلفة والأكثر واقعية. ويرى أن هذا النهج، رغم تعثره، يمنح المجتمع الدولي أدوات للرقابة والضغط، ويقلل من احتمالات الانفجار العسكري. كما يؤكد أن التصعيد العسكري لا يؤدي إلا إلى تقوية التيارات المتشددة داخل إيران، وإغلاق أي نافذة للتفاهم السياسي، فضلًا عن تعريض استقرار المنطقة لمخاطر جسيمة.
وبين هذه الاتجاهات المتباينة، تتبنى الإدارة الأمريكية عمليًا ما يمكن تسميته بنهج "إدارة الأزمة”. يقوم هذا النهج على مزيج من العقوبات الاقتصادية، والردع العسكري، والضغوط السياسية، مع تجنب الذهاب إلى حرب شاملة. الهدف هو احتواء إيران ومنعها من تجاوز خطوط حمراء محددة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم في مسارها ونتائجها.
في المحصلة، يعكس الجدل داخل الإدارة الأمريكية بشأن إيران أزمة أوسع في التفكير الاستراتيجي الأمريكي: هل تستمر واشنطن في سياسة التدخل والحسم العسكري، أم تفضّل إدارة الصراعات وتقليص التزاماتها الخارجية؟ وحتى تتضح الإجابة، يبقى خيار الحرب حاضرًا في النقاش… لكنه مؤجل، ومثقلًا بحسابات الكلفة ومنطق القوة الغاشمة.
qatamin8@hotmail.com
*اكاديمي اردني








