هناك طرقٌ في العالم تنقلك من مدينة إلى أخرى… وهناك طرقٌ أخرى تنقلك إلى داخل نفسك.
والطريق الصحراوي في الأردن ليس مجرد طريقٍ طويل يمتد بين عمّان والعقبة؛ بل مرآة قاسية يرى الأردني فيها صورة وطنه كما هي، بلا رتوش ولا خطابات ولا شعارات احتفالية.
إنه الطريق الذي يكشف الفارق بين الدولة بوصفها فكرة، والدولة كما يشعر بها الإنسان العادي في آخر الجغرافيا.
بعد سنوات طويلة أمضيتها في الطيران، بين مطارات العالم وعواصمه، تعلّمت أن البنية التحتية ليست إسفلتًا فقط، بل فلسفة حكم. فالطرق ليست مجرد وسائل عبور؛ إنها إعلان غير مكتوب عن قيمة الإنسان في عين الدولة. كل طريق جيد يقول لمواطنيه: "أنتم تستحقون الأمان.” وكل طريق متعب يهمس بشيء آخر أكثر قسوة: "اصبروا أكثر.”
ومنذ تقاعدي، أصبحت رحلاتي المتكررة إلى العقبة لرؤية أحفادي رحلة تأمل في الأردن نفسه.
كنت في السابق أعبر القارات على ارتفاع أربعين ألف قدم، فأرى المدن من الأعلى متشابهة؛ أضواء، شوارع، مبانٍ، ومطارات. لكن حين تسافر برًا، ترى ما لا يظهر من السماء: ترى التعب المتراكم على وجوه الناس، والقرى التي تعيش على هامش الزمن، والمناطق التي تمر بها الدولة سريعًا كما تمر بها السيارات.
أخرج من عمّان، المدينة التي تكبر كل يوم حتى تكاد تبتلع الأردن كله، فأعبر سحاب، ثم الجيزة، والقسطل، وضبعة، والدامخي، والقطرانة، والحسا، والحسينية، والهاشمية، ومعان، والمريغة، ورأس النقب، ودبة حانوت، والقويرة، والراشدية، حتى أصل إلى العقبة… المدينة التي تبدو دائمًا كأنها نهاية اليابسة وبداية الحلم.
وفي الطريق، لا ترى الجغرافيا فقط… بل ترى التفاوت أيضًا. ترى كيف يمكن لمدينة أن تنمو بسرعة هائلة لأنها قريبة من مركز القرار، بينما تبقى قرية كاملة تنتظر مشروعًا صغيرًا يغيّر حياتها. ترى مدارس متعبة، وشبابًا يقفون قرب الطريق الطويل وكأنهم يراقبون وطنًا يمر أمامهم دون أن يتوقف. بعض هؤلاء الشباب يحمل شهادات جامعية. بعضهم يبحث عن فرصة منذ سنوات. وبعضهم لم يعد غاضبًا أصلًا… بل متعبًا فقط.
وهنا تبدأ المأساة الصامتة التي لا تظهر في نشرات الأخبار. فالإنسان لا يموت فقط حين يتعرض لحادث سير، بل يموت أحيانًا بالتدريج، حين يشعر أن مستقبله مؤجل إلى أجل غير معلوم. ولسنوات طويلة، كان الطريق الصحراوي نفسه يشبه هذه الحالة الأردنية المعلّقة. طريق متعب، ضيق، مليء بالحفر والتشققات، تعبره الشاحنات الثقيلة كما تعبره أحلام الناس. وكان اسم الطريق يرتبط في الوعي الأردني بالخوف أكثر مما يرتبط بالسفر.
كم من أمّ انتظرت ابنًا لم يصل؟ وكم من عائلة انتهت حياتها بين الحسا والقطرانة؟ وكم من جنازة عبرت هذا الطريق بصمت؟ وحين أذكر ضحايا الطريق، لا أستطيع إلا أن أتذكر الخال موسى جنجاتة "أبو كوجان"، واحدًا من أولئك الذين ابتلعهم الطريق قبل أن يصلوا إلى وجهتهم. في الأردن، لا تتحول الحوادث إلى أرقام فقط؛ إنها تتحول إلى فراغات دائمة داخل العائلات.
لكن وسط هذا المشهد، لا يمكن إنكار التحول الكبير الذي شهده الطريق خلال السنوات الأخيرة، بفضل مشروع إعادة التأهيل المدعوم من الصندوق السعودي للتنمية. فالطريق الذي كان يومًا رمزًا للخطر، أصبح في أجزاء واسعة منه أكثر حداثة وأمانًا وانسيابية.
وحين أقود سيارتي اليوم في بعض المقاطع الجديدة، أشعر أن الأردن حاول أخيرًا أن يصالح هذا الطريق مع الناس. أصبح هناك توسعة، ومسارب إضافية، وتحسينات واضحة في السلامة والبنية التحتية.
وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا في بلد يعتمد اقتصاديًا على هذا الشريان الحيوي الذي يربط العاصمة بالميناء الوحيد للبلاد.
لكن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، لا تكتمل بالمديح وحده.
فالطريق الحديث لا يكفي إذا بقي الإنسان على جانبيه يشعر بالتهميش.
يمكنك أن تبني أفضل إسفلت في الشرق الأوسط، لكن ماذا يعني ذلك لشاب في الحسينية لا يجد عملًا؟
وماذا تعني المسارب الحديثة لعائلة في الهاشمية ما زالت تنتظر مستشفى حقيقيًا؟ وما معنى التنمية إذا كانت القرى تتحول تدريجيًا إلى أماكن عبور لا أماكن حياة؟ المشكلة في الأردن ليست غياب الوطنية؛ فالأردنيون من أكثر الشعوب تعلقًا بوطنهم رغم القسوة الاقتصادية. المشكلة الحقيقية أن العلاقة بين الأطراف ومركز الدولة ما تزال غير متوازنة.
هناك شعور قديم يسكن كثيرًا من المحافظات الجنوبية: أن الدولة تتذكرهم في المناسبات… وتنسى تفاصيل حياتهم اليومية.
وربما لأنني رأيت دولًا كثيرة خلال عملي في الطيران، أصبحت أؤمن أن نجاح الدول لا يُقاس فقط بما تبنيه في عواصمها، بل بما تمنحه لأبعد قرية فيها. فالعواصم غالبًا تنجح وحدها… أما الأطراف فهي الاختبار الحقيقي للعدالة.
ورغم كل النقد، يبقى في الأردن شيء يصعب تفسيره للعالم الخارجي. هذا البلد الذي نجا من حروب المنطقة، ومن الفوضى، ومن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، يملك قدرة غريبة على الوقوف كل مرة.
ربما لأن الناس هنا تعودوا أن يصنعوا الأمل من القليل.
أو لأن الأردن، منذ تأسيسه، لم يكن دولة رفاه… بل دولة صبر.
وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، يبدو الطريق الصحراوي كأنه سيرة الأردن كلها: إنجازات حقيقية تستحق الاحترام، إلى جانب أسئلة مؤجلة لم تجد إجابات كاملة بعد. فالاستقلال ليس فقط علمًا يرتفع فوق المباني الرسمية. الاستقلال الحقيقي هو أن يشعر الطفل في القويرة أو الحسا أو معان أن الدولة تراه بالمقدار نفسه الذي ترى به طفلًا يعيش في قلب عمّان.
وحين أصل أخيرًا إلى العقبة، ويركض حفيداي نحوي بفرح بريء، أدرك أن الوطن ليس حكومة فقط، ولا مشاريع فقط، ولا طرقًا فقط.
الوطن في النهاية هو هذا الرابط الإنساني العميق الذي يجعل الإنسان يتحمل الطريق الطويل لأنه يعرف أن هناك من ينتظره بمحبة.
لهذا، كلما قدت سيارتي جنوبًا، أشعر أنني لا أسافر نحو العقبة فقط… بل أسافر داخل المعنى الحقيقي للأردن.
ذلك الوطن الصغير المتعب… الذي ما يزال، رغم كل شيء، قادرًا على أن يمنح أبناءه سببًا جديدًا للأمل.
