في الوقت الذي يواصل فيه جلالة الملك عبدالله الثاني تأكيده المستمر على أن المواطن الأردني هو أولوية الدولة ومحور الاستقرار الوطني، تتزايد في المقابل الأسئلة داخل الشارع والغرف الشعبية حول قدرة الحكومات المتعاقبة على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس يشعر به الناس في حياتهم اليومية وطموحاتهم العملية والمستقبلية.

وقد جاء حديث رئيس الديوان الملكي يوسف العيسوي خلال لقائه في الديوان الملكي الهاشمي نحو 350 شخصية من أبناء وبنات محافظة الزرقاء، ليعيد التأكيد على أن القيادة الهاشمية ترى في المواطن الأردني مرتكز الاستقرار الوطني وعنوان الأولوية السياسية.

لكن المفارقة السياسية التي يلمسها الأردنيون اليوم تكمن في أن الخطاب الملكي يسير في اتجاه، بينما تتحرك بعض المؤسسات التنفيذية في اتجاه آخر. فالملك يتحدث عن تمكين الشباب، وتحسين الخدمات، وتعزيز العدالة والكفاءة وتقوية مفاصل الإدارة العامة، في حين يشعر كثيرون أن بعض دوائر القرار ما تزال تُدار بعقلية المحاصصة الضيقة، وإعادة تدوير الأسماء ذاتها في المواقع السياسية والإعلامية والإدارية، أو حتى توريث سياسي ودبلوماسي وإداري غير معلن.

حكومة جعفر حسان تواجه اليوم تحدياً يتجاوز الملفات الاقتصادية والخدمية، ليصل إلى أزمة ثقة حقيقية تتعلق بطريقة إدارة الدولة للمشهد العام. فجزء واسع من الرأي العام لم يعد يقتنع بخطابات التحديث والإصلاح والتنمية في الجلسات الحكومية التي تعقد في المحافظات، والتي غالباً ما يطغى عليها المديح السياسي من بعض نواب وأعيان ومسؤولي المحافظات، في ظل استمرار تعيينات برواتب مرتفعة ومزايا كبيرة، في وقت يعاني فيه المواطن من ضغوط معيشية غير مسبوقة، وارتفاع في نسب البطالة والفقر، وتراجع القدرة الشرائية بشكل مقلق، وانعكاسات خطيرة على الأسرة والمجتمع.

علاوة على ذلك والأخطر من ذلك أن احتكار بعض المواقع السياسية والإعلامية لفئة محددة من الأسماء والنخب صنع حالة من الانفصال بين الإعلام الرسمي والواقع الشعبي. فبدل أن يتحول الإعلام إلى مساحة تعكس هموم الناس وتناقش قضاياهم بجرأة ومهنية، أصبح في كثير من الأحيان أسير الخطاب التقليدي والتبرير الحكومي، ما أفقده جزءاً من تأثيره وثقة الجمهور به.

وهنا تكمن واحدة من أخطر أزمات المرحلة؛ إذ لا يمكن بناء إعلام وطني قوي بينما تُغلق الأبواب أمام الكفاءات الشابة والخبرات المستقلة، ولا يمكن الحديث عن تحديث سياسي حقيقي في ظل شعور قطاعات واسعة بأن الفرص ما تزال محصورة ضمن دائرة ضيقة تتكرر فيها الأسماء والمواقع والامتيازات، وتتقلص فيها مساحات التأثير الفعلي.

كما أن المشهد العام لم يعد يقتصر على أزمة أداء أو ضعف إنجاز، بل امتد في بعض الحالات إلى شعور متزايد لدى المواطنين بوجود خطاب متعالٍ من بعض المسؤولين عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل. إذ يظهر احياناً أسلوب في الطرح يوحي بعدم تقدير لوعي الناس أو لمعاناتهم اليومية، بل يصل في بعض الأحيان إلى ما يفسره الشارع على أنه نوع من التقليل أو "التنمر السياسي غير المباشر” على المواطن وهمومه. هذا النمط في الخطاب، سواء كان مقصودا أو غير مقصود، يترك أثرًا سلبياً وخطيراً على الثقة بين الدولة والمجتمع، ويعمّق الفجوة النفسية بين المواطن والجهات الرسمية، في وقت تحتاج فيه المرحلة إلى خطاب مسؤول قائم على الاحترام والاعتراف الحقيقي بمعاناة الناس لا تجاوزها أو التقليل منها.

الشارع الأردني اليوم لا يطلب المعجزات، بل يطالب بالعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص والوصول إلى مختلف شرائح المجتمع. فالمواطن الذي يسمع عن تعيينات برواتب مرتفعة ومكافآت ومواقع خاصة، بينما يواجه صعوبة في إيجاد فرصة عمل أو تأمين احتياجات أسرته الأساسية، أو حتى متطلبات يومه، سيشعر حتماً بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن ضعف بعض الوزراء لا يرتبط فقط بالأداء الإداري، بل بغياب الحس السياسي والقدرة على قراءة المزاج الشعبي. فهناك وزراء يظهرون بكثافة في الإعلام دون أثر فعلي على الأرض، وآخرون غائبون تماماً عن مواجهة الأزمات، وكأن بعض الحقائب الوزارية تحولت إلى مواقع بروتوكولية أكثر منها مراكز قرار ومسؤولية وطنية.

وفي مقابل هذا المشهد، يبقى الحضور الملكي هو العنصر الأكثر ثباتًا في معادلة الدولة الأردنية. فالملك يواصل تحركاته الميدانية ولقاءاته المباشرة مع المواطنين، ويحاول باستمرار إعادة توجيه البوصلة نحو الإنسان الأردني وهمومه الحقيقية وتطلعاته المستقبلية، لكن نجاح هذه الرؤية يحتاج إلى حكومات تمتلك الجرأة على اتخاذ قرارات عادلة، وتحرص على صون المنجز الوطني العام، وإلى مسؤولين يشعرون بأن المنصب تكليف وطني لا امتياز شخصي.

الأردن اليوم يعاني أزمة أداء وثقافة حكومية في بعض المفاصل. وما لم تُراجع آليات التعيين، والحد من ارتفاع الأسعار في الأسواق، ويُفتح المجال أمام الكفاءات الحقيقية، ويُعاد الاعتبار للإعلام المهني القريب من الناس، فإن فجوة الثقة مرشحة للتوسع، وهو أمر لا يخدم الدولة ولا مشروعها الوطني في هذه المرحلة الحساسة.

الدولة الأردنية تمتلك رصيداً كبيراً من الوعي والاستقرار والخبرة، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب أن يشعر المواطن بأن العدالة ليست شعاراً، وأن الفرص لا تُحتكر، وأن صوت الناس يصل فعلاً إلى مواقع القرار، لا أن يبقى محصوراً بين خطاب رسمي جميل وواقع يومي يزداد صعوبة!.