jo24_banner
jo24_banner

المعشر يحدد شروط الانتقال نحو الديموقراطية الحقيقية والتعددية

د. حسن البراري
جو 24 :

اختار الدكتور مروان المعشر “اليقظة العربية الثانية: المعركة من اجل التعددية” عنوانا لكتابه الجديد والذي صدر قبل أيام باللغة الانجليزية، وهو عنوان معبر وله دلالات كثيرة استعمله من قبله البرفسور والمؤرخ اديد داويشا (الذي يعمل بجامعة ميامي والمختص بالحركة القومية العربية) عندما اصدر كتابا قبل عام باللغة الانجليزية بعنوان “اليقظة العربية الثانية: الثورة والديمقراطية والتحدي الاسلامي من تونس إلى دمشق.”

ومفهوم “اليقظة العربية الثانية” يختزل كثيرا من ما شهده العالم العربي منذ انطلاق ثورة الياسمين، وقد تم استخدامه ربما للمرة الأولى في شهر اذار عام 2011 في مقال مهم نشر بصحيفة نيويورك تايمز لورنس بوب وهو دبلوماسي اميركي متقاعد وفيه يقول ان مهمة بناء مجتمعات ديمقراطية هي مهمة جيل قادم، وهي المهمة التي حاول المعشر أن يضع لها الاساس النظري.

وبالرغم من أن مقالي هذا اليوم مخصص لعرض كتاب مروان المعشر إلا انه لا ضير من القاء الضوء على الفكرة الأساسية لكتاب اديد داويشا الذي يتفحص به الانتفاضات المستمرة والتي يعتبرها (كما فعل المعشر من بعده) امتدادا لليقظة العربية الأولى التي حققت الاستقلال، وكان جورج انطونيوس قد نشر كتابا بعنوان اليقظة العربية في عام 1938 وفيه أرخ لتطور النهضة العربية التي بدأت مع انتشار عصر التنوير في القرن التاسع عشروانتهت بالاستقلال. والحقيقة أن كل من المعشر وداويشا قد استند إلى كتاب جورج انطونيوس للاجابة على السؤال الاساسي المتمثل بعدم خروج الديمقراطية من رحم اليقظة العربية الأولى.

في كتابه عن اليقظة العربية الثانية يتكئ اديد داويشا على نظرية المفكرة اليهودية العالمية حنا اردنت والتي كتبت ربما افضل كتاب في القرن العشرين عن أصل الشمولية إذ قدمت نظريتها المشهورة التي تفيد بأن الثورة ليست فقط الخلاص من القمع وانما هي التي تفضي إلى حرية. ولكي يتحقق ذلك حسب رأي حنا ارندت فإنه من الضروري ان تتجذر الديمقراطية. وهكذا يحكم اديد داويشا على اليقظة العربية الأولى والثانية من خلال هذه النظرية، فصحيح ان اليقظة العربية الأولى أو لنقل النهضة العربية انذاك منحت العرب الاستقلال واحترام الذات لكنها بكل تأكيد لم تمنحهم المؤسسات التي تمثل مصالحهم، وبهذا المعنى تكتسب مقولة حنا ارندت “يمكن ان يكون التحرير شرطا للحرية لكنه ليس من الضروري ان يفضي الى ذلك بشكل تلقائي” أهمية خاصة ونحن نشاهد الانتكاسات في عملية الانتقال الديمقراطي في بعض دول الربيع العربي.

الدولة العربية ما بعد الاستقلال لم تكن ديمقراطية بهذا المعنى، وعلى العكس من ذلك وصلت نخب عسكرية الى السلطة فعطلت التعددية ومارست شتى انواع القمع والاقصاء ووجدت في قضية فلسطين او “لا صوت يعلو على صوت المعركة” ذريعة لضبط المجتمع خلف القيادات القمعية، وربما هنا من المناسب استحضار مقولة مالكولم كير الشهيرة بأن العرب كانوا سيختروعون اسرائيل لو لم تكن موجودة، وفي ذلك صورة مجازية لتوضيح ضرورة الابقاء على عدو خارجي لتبرير القمع والاخفاق، وقد تجلى هذا الاختلاق بأروع صوره عندما قدمه الروائي الانجليزي جورج ارويل في رواية “مزرعة الحيوان.” فالنخب الحاكمة العسكرية كانت تمقت الغرب أو شيء مرتبط بالغرب ومنه الديمقراطية والتي كان تعد بمثابة كعب اخيل لتقويض حكمها في الدول العربية التي كانت تنظر إلى نفسها وكأنها تقدمية.

القول بأن العرب تعلموا من اليقظة العربية الاولى ويصرونعلى انتقال ديمقراطي لفيه ربط تعسفي وهو الربط الذي عانت منه اغلب الكتابات التي أكدت على فكرة ان العرب تعلموا من درس التجربة الأولى، فالسياق السياسي والفكري مختلف في كل حالة، ولو كان المحرك هو الرغبة والحاجة للانتقال الى انظمة ديمقراطية صحيحا لثارت كل الشعوب العربية التي تعاني من غياب الديمقراطية والتعددية، غير ان الدوافع مختلفة مع أن هذا لا ينفي وجود تيارات وقوى اجتماعية في كل دولة تريد الانتقال الى شكل من اشكال الحكم الديمقراطي.

وبربطه الثورات العربية الحالية باليقظة العربية الأولى فإن المعشر يضع الانتفاضات العربية الحالية في سياق تاريخي اعرض، والفكرة الرئيسة في كتاب مروان المعشر هي التي لخصها العنوان الفرعي: “معركة من اجل التعددية،” وفي ذلك فهم عميق لديناميكية التغير المطلوبة حتى يكون الانتقال كاملا وليس كما حدث في الحالة الأولى التي وقفت عند التحرر من الاستعمار. وعلى أهمية كتاب المعشر فأنني ارى أن البداية الفعلية للكتاب هي في الصفحة رقم 123 وما تلاها من تقديم مكثف وصحيح لمتطلبات الانتقال للتعددية.

وهكذا فأن المعشر يعالج الموضوع من خلال تقديم سياق لما يجب ان يكون عليه المستقبل، وهو يجادل بأن السياق السياسي المستقبلي ينبغي أن يستند إلى قيم التسامح والتنوع والتعددية وعدم الاقصاء وهو سياق يعتمد التعليم كأحد اهم اركان الانتقال الى الحرية والديمقراطية الحقيقية. ولكي نصل إلى هذه النقطة ينبغي ان نستبطن أن العملية ستكون صعبة لكنه من دونها فإننا لن نصل إلى هذه الحالة المنشودة. ويقول المعشر أن العملية تحتاج إلى عقود لوضع الأساس لانظمة سياسية ديمقراطية إذ لا يمكن النظر إلى ما جرى فقط في سياق خمس سنوات، ويتنبأ المعشر بأن هناك دولا ستنجح في هذه العملية التاريخية وأخرى ستعاني بينما ستخفق دول أخرى.

لكن قبول الديمقراطية بالمضمون المتعارف عليه غربيا يحتاج إلى ثقافة سياسية يبدو أنها غير متوفرة لغاية الآن، وفي هذا السياق يرى المعشر أنه ولكي تزدهر الديمقراطية فإنه ينبغي توفر ثقافة سياسية تقبل بالتنوع وتحترم مختلف وجهات النظر وتعلي من شأن القيم التي ترى بأن الحقيقة ليست مطلقة بل نسبية، ومن دون ذلك فإن الانتخابات البرلمانية منها والرئاسية وكتابة الدساتير لن تفضي إلى انظمة تعددية مستدامه. واعتقد أن المعشر على حق في هذه النقطة على وجهة التحديد إذ ان ثقافة الاقصاء ما زالت سائدة في الكثير من البلدان وبخاصة بلدان الربيع العربي إذ أن فهم مرتبط بفكرة ان الرابح يحصل على كل شيء (Winner-Take-All Politics) وهذا لن يساعد في الانتقال الى نظام ديمقراطي.

بتقديري فإن وجود ثقافة سياسية متسامحة مع فكرة التنوع والمواطنة هو أمر لا غنى عنه، وربما غيابها يفسر انحياز الاقليات الدينية والعرقية في دول الثورات العربية لصالح مقاربة الانظمة التسلطية على حساب الانتقال خوفا من الاقصاء، فالاعتقاد السائد أن الاخوان المسلمين هم الرابح الوحيد من الثورات اثار فزع الاقليات الدينية وبخاصة مع تجربة مرسي بالحكم. وعلى نحو لافت فإن ثنائية الاسلاميين والحكم (التي مكنت القادة العرب غير الديمقراطيين استعمال الاسلاميين كبعبع لضمان تأييد الغرب للانظمة القمعية والتسطلية) هي التي ربما دفعت الاقليات الدينية للتوجس من الاسلاميين وبالتالي الانحياز للحكم الاوتقراطي على حساب التحول الديمقراطي. لذلك ربما من أهم ما ورد في الكتاب هو حث المؤلف على تشكيل الطريق الثالث حتى ننتهي من حالة الاستقطاب الثنائية التي انتجب حالة من الشلل في عملية التحول بمجملها.

كتاب المعشر كتب بلغة مباشرة وسهلة لأن الهدف ان يكون متاح للناس العامة كما يقول في بداية كتابه، واسلوبة سلس ورشيق لا يجعلك تترك الكتاب حتى تنهيه. في بعض المواقع هناك بعض التعميمات القليلة التي لا تصمد أمام تفحص الواقع وسياقه التاريخي إلا ان الكتاب يبقى هاما ويملأ فراغا وبخاصة وأنه كتب من قبل شخص كان جزءا من الحكم في الأردن لفترة حساسة قام بانتقادها في غير مرة، وهو بذلك يعد ربما الوحيد (بالاضافة الى عدنان ابو عودة) من بين رجالات الملك الذي يفكر خارج الصندوق ويكتب ذلك، ولا يبدو أنه يخشى كيف سيؤثر ذلك على علاقته بالحكم أو القوى السياسية لأنه يقول ما يجب أن يقال من وجهة نظره.

بقي أن أقول أن مروان المعشر عادة ما يواجه انتقادات واسعة في الأردن نظرا لموقفه المعلن من مجمل عملية الاصلاح التي تمت بالاردن وتوجيه سهام نقده للنخب الحاكمة والمتنفذة التي اعاقت مشروع الاجندة الوطنية على حد تعبيره، لكن أتمنى أن يشكل هذا الكتاب (الذي لا يتطرق للأردن إلا في السياق العام للموضوع) ارضية للنقاش العام لأنه يسلط الضوء على امرين هامين هما: الانتقال نحو التعددية وكيف يمكن أن يتحقق ذلك.

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير