على قدرِ أهلِ العزمِ تؤتى العزائمُ
د. عبدالرزاق بني هاني
جو 24 : جلسَ عبدُالله على مقعدٍ وثير داخل إحدى صالات المطار الأوروبي استعداداً للسفر إلى وطنه ... كان منهكاً، ويغلبُ عليه النعس ... فما كان منه إلا أن يستلقي على الأريكة، وأخذ يسترقُ السمعَ لمحاورة بين أربعة أصدقاء، عرف عبدُالله بأنهم من بلدان مختلفة ...
كانوا يتحاورون عن هزيمة الدولة العظمى في فيتنام، وعن آلاف الأنفس التي أزهقت من أجل الشيطان واللاشيء ... كانت أشياءٌ ما آنذاك أقوى من القاذفات المُقاتلة والصواريخ والقنابل الكيماوية التي أعجزت الطبيعة فأورثتها الأمراض والآفات. ولم تكن أسلحة الدولة الدولة الصغرى أقوى من الأسلحة التي امتلكتها الدولة العظمى في تلك الحرب الطاحنة ...
بدأ الحديث بين الأصدقاء الأربعة في قاعة المطار، حيث ينتظرُ كلُ واحدٍ منهم طائرته للرحيل إلى وطنه ...
البرازيلي: لقد انهزمت الدولة العظمى ... أليس ذلك من سخرية القدر ؟ بل أية إرادة تلك ؟! ...
الألماني: الإرادةُ الجيدة تجعلُ للقدمين جناحين ! ...
البرازيلي: لكن الشدائد التي واجهها شعب فيتنام كانت أعظم من أن تُطاق ! ...
العربي: الشدةُ تلدُ الصبر .... آآآه ... دعوني وشأني ... !!
البرازيلي: لكن كيف فعلوا ذلك ؟ ....
الصيني: كلُ شيءٍ مُستطاعٌ بالإيمان ! ...
البرازيلي: لقد دكّوا هانوي بالقنابل وأسقطوا على الأدغال المواد الكيماوية ... فغيّروا الطبيعة ... وقذفوهم من البحر بالصواريخ ... وقتلوا مئات الآلاف ... الم يكونوا يتألمون الألم الشديد من كل ذلك ؟ ! ...
الصيني: من يقهر الذات يتخلص من الآلام ! ...
العربي: نعم، ولقد سمعت جدي يروي عن أبيه قائلاً: من وطّن نفسه على شيءٍ هان عليه ! ...
الألماني: لكنكم أيها العرب لم توطّنوا أنفسكم إلا على أنفسكم ... ولم تفعلوا شيئاً يُذكر من أجل قضاياكم! ...
البرازيلي: قرأتُ في العهد الجديد بأن المملكة إذا انقسمت فإنها لا تثبُت ... وهذا هو حال العرب ... إنهم منقسمون ... !
الصيني: إن الغنم إذا تفرقت انفردت بها الذئاب ! ...
الألماني: كأني سمعتُ من صديق: إن الله لا يُحبُ الأمةُ التي لا تتألم ... وكلما زاد ألمها زادت رفعتها وارتفع شأنها ...
العربي: هذا صحيح ... لقد قرأت في القرآن: إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ! ... وإن رسولنا قال: حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات ! ...
حان وقت إقلاع الطائرات، فتصافح الرجال وتفرقوا، إلا العربي بقي يُحدّثُ نفسه وهو يقول: يارب قد بلغتُ من العمر عتيا ... ولم أدرك معنى قول أبا القاسم الشابي:
إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة **** فلابد أن يستجيب القدرْ
ولابد لليل أن ينجلي *** ولابد للقيد أن ينكسرْ ...
كان عبدالله يهذي تحت وطأة كابوسٍ ثقيل، فلم يكن الحديث الذي استرقه إلا حلماً ... وقد أفاق وكان أحد عمال المطار يركلهُ برجله وهو يقول ... استيقظ يا سيد ... استيقظ يا سيد ... لقد أقلعت جميع الطائرات ولم تبق إلا واحدة علّها تكون طائرتك التي تستقلها إلى وطنك ...
أفاق عبدالله من غفوته ... ولم يكن متأكداً من الحوار الذي سمعه ... وفي الوقت نفسه كان مذياع الأخبار في تلك البلاد يُعلن بأن حكومتها قررت إرسال بوارجها إلى منطقة الخليج العربي وخليج سرت للإستيلاء على نفط العرب .. وقررت كذلك منع تصدير الغذاء إلى العرب بحجة أنهم أصبحوا سماناً ... وأن الوقت قد حان لتخفيف أوزانهم لأنهم يقتاتون على إنتاج الآخرين !!!
ملاحظة: تم نشر هذا المقال على صحيفة الرأي بتاريخ 22/04/1992.
كانوا يتحاورون عن هزيمة الدولة العظمى في فيتنام، وعن آلاف الأنفس التي أزهقت من أجل الشيطان واللاشيء ... كانت أشياءٌ ما آنذاك أقوى من القاذفات المُقاتلة والصواريخ والقنابل الكيماوية التي أعجزت الطبيعة فأورثتها الأمراض والآفات. ولم تكن أسلحة الدولة الدولة الصغرى أقوى من الأسلحة التي امتلكتها الدولة العظمى في تلك الحرب الطاحنة ...
بدأ الحديث بين الأصدقاء الأربعة في قاعة المطار، حيث ينتظرُ كلُ واحدٍ منهم طائرته للرحيل إلى وطنه ...
البرازيلي: لقد انهزمت الدولة العظمى ... أليس ذلك من سخرية القدر ؟ بل أية إرادة تلك ؟! ...
الألماني: الإرادةُ الجيدة تجعلُ للقدمين جناحين ! ...
البرازيلي: لكن الشدائد التي واجهها شعب فيتنام كانت أعظم من أن تُطاق ! ...
العربي: الشدةُ تلدُ الصبر .... آآآه ... دعوني وشأني ... !!
البرازيلي: لكن كيف فعلوا ذلك ؟ ....
الصيني: كلُ شيءٍ مُستطاعٌ بالإيمان ! ...
البرازيلي: لقد دكّوا هانوي بالقنابل وأسقطوا على الأدغال المواد الكيماوية ... فغيّروا الطبيعة ... وقذفوهم من البحر بالصواريخ ... وقتلوا مئات الآلاف ... الم يكونوا يتألمون الألم الشديد من كل ذلك ؟ ! ...
الصيني: من يقهر الذات يتخلص من الآلام ! ...
العربي: نعم، ولقد سمعت جدي يروي عن أبيه قائلاً: من وطّن نفسه على شيءٍ هان عليه ! ...
الألماني: لكنكم أيها العرب لم توطّنوا أنفسكم إلا على أنفسكم ... ولم تفعلوا شيئاً يُذكر من أجل قضاياكم! ...
البرازيلي: قرأتُ في العهد الجديد بأن المملكة إذا انقسمت فإنها لا تثبُت ... وهذا هو حال العرب ... إنهم منقسمون ... !
الصيني: إن الغنم إذا تفرقت انفردت بها الذئاب ! ...
الألماني: كأني سمعتُ من صديق: إن الله لا يُحبُ الأمةُ التي لا تتألم ... وكلما زاد ألمها زادت رفعتها وارتفع شأنها ...
العربي: هذا صحيح ... لقد قرأت في القرآن: إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ! ... وإن رسولنا قال: حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات ! ...
حان وقت إقلاع الطائرات، فتصافح الرجال وتفرقوا، إلا العربي بقي يُحدّثُ نفسه وهو يقول: يارب قد بلغتُ من العمر عتيا ... ولم أدرك معنى قول أبا القاسم الشابي:
إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة **** فلابد أن يستجيب القدرْ
ولابد لليل أن ينجلي *** ولابد للقيد أن ينكسرْ ...
كان عبدالله يهذي تحت وطأة كابوسٍ ثقيل، فلم يكن الحديث الذي استرقه إلا حلماً ... وقد أفاق وكان أحد عمال المطار يركلهُ برجله وهو يقول ... استيقظ يا سيد ... استيقظ يا سيد ... لقد أقلعت جميع الطائرات ولم تبق إلا واحدة علّها تكون طائرتك التي تستقلها إلى وطنك ...
أفاق عبدالله من غفوته ... ولم يكن متأكداً من الحوار الذي سمعه ... وفي الوقت نفسه كان مذياع الأخبار في تلك البلاد يُعلن بأن حكومتها قررت إرسال بوارجها إلى منطقة الخليج العربي وخليج سرت للإستيلاء على نفط العرب .. وقررت كذلك منع تصدير الغذاء إلى العرب بحجة أنهم أصبحوا سماناً ... وأن الوقت قد حان لتخفيف أوزانهم لأنهم يقتاتون على إنتاج الآخرين !!!
ملاحظة: تم نشر هذا المقال على صحيفة الرأي بتاريخ 22/04/1992.







