استيقظت من كابوسٍ مرعب، وكان ذلك في أيار من العام (1990)، أي قبل مايقرب من ربع قرنٍ من الزمان الأعوج، ... أربعٌ وعشرون من السنوات العجاف بكل ما في العَجَفِ من ألم. وقتها كان الزعماء العرب يتقاطرون إلى بغداد لحضور المؤتمر الدوري للقمة العربية. وقد كنت في تلك الفترة، وعلى غير عادي، مقبوض القلب وأشعر بالحزن والمرارة وكأنني كتلة من الهم تمشي على الأرض. وحتى أروّح عن نفسي أمسكتُ بقلمي وكتبتُ إلى اؤلئك الزعماء الذين تداعوا إلى القمة, وكان عنوان رسالتي: رسالة من مواطنٍ عربي إلى القادة العرب:
الأفاضل الملوك والرؤساء والأمراء، قادة الأمة العربية ...
أكتبُ إليكم أيسرَ اليسير ... وأقلَ القليل من غيضٍ من فيض ... !
أكتبُ إليكم عن أيسرِ ماوشجَ في قلبي ... وتشابك في صدري ... وسعى إلى همتي ... وقضَ مضجعي ... وأحبط آمالي ... ودفعني إلى قنوطٍ مقيت حول مستقبل أمتي !
أكتبُ لكم عن أيسرِ الهمْ ... وأخفِ الغمْ ...وأقلِ اللوع والآلام التي تكتنفني وتتضورُ بسببها نفسي ... فهل تقرأون ما أكتبه ؟ ... وهل تسمعون ما أقوله ؟ ...
أريدُ أن أبسطَ على موائِدكم في بغداد بعضاً من الهموم والبث والشجون التي تغشى نفسي وتسحقُ قلبي وتحجرُ على عقلي ... !
أحبُ أن أضعَ أمامكم جزءاً من أمرٍ مِظلامْ ... عجز عن استحفاظهِ عقلي ... وعن تحملهِ قلبي المسحوق، فاستفحلَ خطره وبَزلْ ... وهو أمرٌ خليق بأن يهز أوتاد وجودي كنفسٍ لها الحق في حياةٍ كريمةٍ عزيزة ...!
أكتب إليكم لأني أرى فيكم مئنة الخير ومظنة الفضل ... ولأني لا أملك لنفسي من شيء إلا أن أجهشَ إليكم لعلكم تنزعون مايحوكُ به صدري من هذه الآلام الثقال التي ساقتها إليّ هذه السنون الأوازم ... وحملها إليّ هذا الزمن الزامن ! ...
لقد وكلني مايزيدُ عن مئة مليون من الصغار الرضّع والشيوخ الركّع والشباب المُحبط والكهول القنّط والبنات والأرامل من أمةٍ جثلتها الأحداث والمؤامرات فساقتها إلى ترهات المهالك، دونما إرادةٍ منها أو مقاومةٍ كان لها فيها خيار ! ....
كلُ اؤلئك وكّلوني لأكتب لكم ... فما كان أمامي من خيارٍ إلا أن أستجيب لإلحاحهم وأنحني أمام لجاجتهم ...
أكتب إليكم ياقادة الأمة لأقول لكم بأن أمتي تربأ بنفسها أن تناضل بعد الآن بالتصفير والتصفيق والهتافات الجوفاء ... فالتمسوا لها سبيلاً للتحرر كما ينبغي ... وإن أمتي تأبي أن يكون موقعها في مكانٍ لا تطلع عليه الشمس، فابحثوا لها عن مكانٍ يليق بجمالها وكبريائها وأنفتها وعزها وتاريخها ...
وإنها ترفض أن تتلثم الشكيمة فانزعوا عن فمها مايخرسها حتى تقول ماينبغي لها أن تقول ... وإن أمتي قد ملّت حقاً من عقد حبوتها ...
إن أمتي تستحلفكم بالله أن تدعوا الإحَن التي جرّت إليها المحن ... وأن تنسوا المضاغنة والأحقاد، فأنتم أعرف بالحال وأدرى بالسؤال ...
إن أمتي في خطرٍ شديد مُحدق ... وقد كبَت وطالت كبوتها فكثر الجزارون بسكاكينهم الحادة ... وإن القوم قد ائتمروا فيوشكوا أن يتداعوا عليها كما تداعى الأكلة على قصعة من طعام ...
يا قادة الأمة: إن الأردن في خطر، والعراق في خطر، وسوريا في خطر، ولبنان في خطر، والسودان في خطر، واليمن في خطر، والخليج في خطر ... فأين ذلك الجزء من أمتي الذي لا يواجه الخطر ؟
إن مايجعل قلبي يعتصرُ ألماً وحسرة هو إنني لا أرى بأن الجسد قد تداعت أعضاؤه بالسهر والحمى ...

بعد مرور مايقرب من ربع قرنٍ على هذه الرسالة كانت النتيجة كما يلي: ذهبت العراق لتصبح في الفلك الإيراني، وانفصل ثلث السودان، وغرق الأردن في المديونية، ويغرق إلى الآن اليمن، وتغرق سوريا في بحرٍ من الدماء .... ولله الحمد على كل حال ....