الطراونة .. والتصريحات الدون كيشوتية ؟!
ما زالت في الذاكرة صورة وزير الاعلام العراقي الاسبق محمد سعيد الصحاف في اليوم الذي سبق سقوط بغداد وهو منهمك في توعد العلوج بمواجهة صعبة لم تحدث ! أخبرني صديق اعلامي أن الرئيس بوش كان يطلب منه مساعديه أن يوقظوه ولو في منتصف الليل ليستمع للصحاف ويضحك ! فالصحاف كان مادة تندر ومصدر ترفيه لرئيس أقوى بلد في العالم. المسكين الصحاف لم يكن يعلم ولم يحاول أن يفهم ما كان يدور، وبالتالي عندما سقطت بغداد غاب الصحاف إلى أن شاهدناه بعد سنوات على احدى الفضائيات بشكل مثير للشفقة.
في محاضرة له في جمعية الشؤون الدولية، يصر رئيس الوزراء فايز الطراونة على أن قانون الانتخابات لا يهدف إلى تحجيم أية جهة، وأن زيادة المقاعد العشر ليست استرضاء لأحد. الرئيس محق فيما ذهب اليه جزئيا، فقانون الانتخابات ليس ضد جهة محددة وإنما ضد تمكين الشعب الاردني بكافة تلاوينه، فالمطلوب مجلس نواب على غرار ما نشاهد هذه الايام، وبالتالي جاء قانون الانتخابات بهذا الشكل. ولم اسمع أو أقرأ أن هنالك أية قوة سياسية وافقت على قانون الانتخاب.
أما القول بأن زيادة المقاعد لم تكن لاسترضاء احد، فعذرا يا رئيس الحكومة يبدو أنك في الظلام وانك غير مطلع على ما قامت به جهات أخرى في الدولة من مفاوضات في الخفاء، ونعرف موقفك في لقاء الملك عندما احتدم النقاش بينك وبين طاهر المصري. الزيادة جاءت بهدف تشجيع الاسلاميين على المشاركة ولتشجيع الاردنيين من اصول فلسطينية على المشاركة خوفا من تدني نسبة التصويت وخوفا من مقاطعة الانتخابات، وبالتالي تدخل حكومتك التاريخ بفشل ربما غير مسبوق في تاريخ الدولة الاردنية.
وعلى خلاف الادعاءات بأن الحكومة عملت على ادامة الحوار مع القوى السياسية والمجتمعية، نقول أين هو الحوار؟! ألا يعلم الطراونة أن حكومته دفنت الحوار منذ اليوم الأول، فالرئيس لا يستجدي الحوار مع أحد وهو يختبئ خلف العرش في الكثير من المحطات، ويحاول ايهام الناس بأنه ينفذ توجيهات ملكية ! غير أننا نلاحظ أن خطاب الملك مختلف عن خطاب رئيس الحكومة، فكيف يستقيم الأمر إذن.
ولو افترضنا جدلا أن الحكومة هي بالفعل مع الحوار، فعلى ماذا تحاورها القوى السياسية؟ على مبدأ الصوت الواحد الذي أقر سلفا، أم على سياسة التخفيف من العجز على حساب المواطن؟ هناك رأي يتداوله المراقبون بأن القوى السياسية تجاوزت الحكومة لأنها تعتقد أن القرار ليس هناك وإنما في مراكز قوى مختلفة، فالرئيس لا يقوى على اتخاذ موقف مستقل عن مراكز القوى الأهم في المعادلة السياسية الاردنية.
وعلى نحو لافت، هدد رئيس الحكومة قبل وقت وجيز بأن حكومته لن تسمح بالتجاوز على مؤسسة العرش ! أولا إن الأردنيين لا يتجاوزون على مؤسسة العرش لأنهم هم من حموا هذه المؤسسة إن كان رئيس الحكومة لا يعلم. ثانيا، ان من يتجاوز على مؤسسة العرش هو من يتطاول على القانون من مسؤولين، ومن يوهم الناس بأنه هناك تعليمات "من فوق" للايغال بالفساد أو حتى طي ملفات فساد.
غير أن الأردنيين يختلفون مع سياسات الحكومات ولا يعتبرون مجلس النواب مجلسا شرعيا، وخاصة بعد أن شاهدنا المؤامرة الكبرى على الاصلاح التي حاك خيوطها حلف الصوت الواحد الذي ينتمي له كل من الحكومة ومجلس النواب. أما أن يحاول رئيس الوزراء خلق حالة من التماهي بين موقف الشارع من حكومته ومنه شخصيا وبين موقف الشارع من الملك ففي ذلك خلط خطير، وكأن رئيس الحكومة يريد أن يقول أن ليس له مشكلة مع الشارع وإنما للشارع مشكلة مع الملك، وبالتالي يتصدى الطراونة لهذا الموقف في فزعة تذكرنا ببطولات دون كيشوت وتابعه سانشو.
باختصار شديد، المشكلة هي مشكلة فهم ومن ثم تقوقع خلف مواقف محافظة عفا عنها الزمن ، واستنفذت اهدافها لأن العالم تغير وهو أمر لا تفهمه الحكومة. وهنا نقول ارحم يا طراونة !








