كتب زياد فرحان المجالي
ليست الخطة الأميركية التي تتحدث عن ضربة "قصيرة وقوية” ضد إيران مجرد خيار عسكري، بل هي محاولة لإعادة صياغة الفشل الأول بلغة أكثر دقة. في بداية الحرب، لم يكن القرار في واشنطن منفصلًا عن الرؤية التي دفع بها بنيامين نتنياهو، والتي قامت على فرضية بسيطة وخطيرة في آن: ضربة أولى مركزة، انهيار في القيادة، اهتزاز في الداخل، ثم تحرك شعبي يُنهي المعادلة خلال أيام. وقد تبنّى دونالد ترامب هذه الفكرة بوصفها "صفقة سريعة” بالحرب، لا حربًا طويلة.
لكن الواقع جاء معاكسًا بالكامل. لم تنهَر إيران، ولم يتحرك الشارع كما توقّعوا، ولم تُنتج الضربة الأولى ذلك النصر السياسي الذي وُعدت به واشنطن. على العكس، تماسكت طهران، وأدخلت مضيق هرمز إلى قلب المواجهة، ونجحت في تحويل الحصار البحري من أداة ضغط أميركية إلى ساحة اشتباك متبادل، فيما تحوّلت مفاوضات إسلام آباد إلى اختبار إرادات لا إلى منصة استسلام.
من هنا، تبدو "الضربة الثانية” وكأنها محاولة لتصحيح المسار، لكنها في العمق قد تكون إعادة إنتاج للمنطق نفسه بأدوات أكثر تركيزًا. الفكرة لم تتغير: ضربة محدودة، أثر كبير، ضغط سريع، ثم عودة إيرانية إلى الطاولة من موقع أضعف. لكن ما تغيّر هو أن إيران نفسها لم تعد الهدف المرتبك الذي يمكن صدمه، بل طرفًا خاض تجربة الضربة الأولى وخرج منها أكثر استعدادًا.
الخطة الأميركية، وفق ما يُتداول، تستهدف البنى العسكرية والاستراتيجية، ومواقع الصواريخ والمسيّرات، والقدرات البحرية للحرس الثوري في مضيق هرمز. أي أن الهدف ليس إسقاط النظام، بل كسر أدوات الضغط الإيرانية، خصوصًا في البحر، ودفع طهران إلى التفاوض بشروط أقل صلابة. لكن هذا التصور يحمل في داخله مفارقة خطيرة: واشنطن تريد استخدام القوة لتقليص الحرب، بينما قد تدفعها عمليًا إلى توسيعها.
هنا تتحول الخطة من عملية عسكرية إلى مقامرة سياسية محسوبة. فهي تفترض أن إيران ستفهم الضربة كرسالة ضغط، لا كإعلان حرب. لكن طهران قد تقرأها بالعكس تمامًا: محاولة إذلال، واستكمال لما عجزت عنه الضربة الأولى، ما يفرض ردًا لا يتعلق فقط بحجم الخسائر، بل بصورة الردع نفسها. إيران، في هذه المرحلة، لا تدافع فقط عن مواقع، بل عن معادلة تقول إنها لم تُهزم.
المشكلة أن واشنطن تريد ضربة لا تفتح حربًا، بينما تحتاج إيران إلى رد لا يظهرها في موقع المنكسر. وهنا تتسع الدائرة تلقائيًا: قواعد أميركية في الخليج، إسرائيل، الملاحة في هرمز، ووكلاء إيران في لبنان والعراق واليمن. الضربة قد تكون محدودة في زمنها، لكنها قد تُطلق سلسلة تفاعلات لا يمكن احتواؤها بسهولة.
الأخطر أن هذه الخطة تأتي بعد سقوط الرهان الأول. في بداية الحرب، كان هناك اعتقاد بأن الضغط العسكري سيُنتج تغييرًا داخليًا سريعًا. أما اليوم، فالمشهد مختلف: النظام الإيراني تجاوز الصدمة، وراكم خبرة في امتصاص الضربات، وأعاد بناء خطابه حول السيادة والصمود. أي أن الضربة الثانية لن تواجه إيران كما كانت، بل إيران كما أصبحت.
ومع ذلك، لا يمكن وصف الخطة بأنها مغامرة خاسرة بالكامل. من الناحية العسكرية، قد تحقق أهدافًا تكتيكية: تعطيل قدرات، إرباك عمليات، رفع كلفة المواجهة. لكنها ليست ضمانة لنتيجة سياسية. وهنا يكمن الفرق الحاسم: النجاح العسكري لا يساوي بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا. أميركا قد تصيب الأهداف، لكنها قد تدفع إيران إلى تغيير قواعد اللعبة بدل الخضوع لها.
لذلك، السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟ بل: هل تستطيع ضربها من دون أن تعطيها مبررًا لإعادة تعريف الحرب كلها؟ هذه هي العقدة التي لم تُحل منذ الضربة الأولى. فكل ضربة جديدة لا تُقرأ فقط في طهران، بل في تل أبيب، وفي الخليج، وفي أسواق الطاقة، وفي موسكو وبكين.
في هذا السياق، تبدو إسرائيل أكثر الأطراف دفعًا نحو هذا الخيار، ليس لأنها تريد حربًا طويلة، بل لأنها تخشى نتيجة معاكسة: تسوية ناقصة تُبقي إيران لاعبًا قويًا. لذلك، فإن الضربة، في أحد أبعادها، ليست فقط أداة ضغط على إيران، بل أيضًا محاولة لضبط مسار التفاوض بما لا يُنتج اتفاقًا يُضعف موقع إسرائيل.
في النهاية، "الضربة القصيرة” قد لا تكون قصيرة إلا في البيان العسكري. أما في الواقع، فقد تكون بداية فصل جديد من حرب لم تعد تُدار بضربة واحدة، بل بتراكم الضربات وردودها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الخطة التي وُلدت لتجنّب الحرب الطويلة، قد تكون هي نفسها البوابة التي تُدخل الجميع فيها.