كتب - زياد فرحان المجالي
لم تعد الحرب مع إيران حرب صواريخ وطائرات وحصار نفطي فحسب. في الوقت الضائع الذي يحاول ترامب شراءه بعد وقف العمليات القتالية المباشرة، بدأت تظهر أوراق أكثر حساسية من القصف نفسه: البحر، النفط، الغاز، السفن، التأمين، ثم كابلات الإنترنت الممدودة في أعماق المياه، تلك الخيوط الرفيعة التي لا يراها أحد، لكنها تحمل نبض الاقتصاد العالمي كله.
هنا لا يعود مضيق هرمز مجرد ممر للطاقة، بل يتحول إلى عقدة مزدوجة: شريان نفط وشريان بيانات. فمن يسيطر على هرمز، أو يهدد استقراره، لا يضغط على سوق النفط وحده، بل يضع يده أيضًا على جزء من البنية الرقمية التي تربط آسيا بالخليج وأوروبا وأفريقيا.
يبدو تقدير ترامب واضحًا: الحصار هو الورقة الأقوى في مواجهة إيران. فهو يضرب موردها المالي الأهم، ويقيّد صادرات النفط والغاز، ويجبر النظام الإيراني على إدارة اقتصاد مرهق تحت ضغط طويل. لكن هذه الورقة، على قوتها، ليست ورقة حسم. الحصار يوجع، لكنه لا يكسر بالضرورة. والضربات الجوية قد تدمّر منشآت ومواقع، لكنها لا تضمن تغيير قرار الدولة، ولا تكفي وحدها لإجبار طهران على توقيع اتفاق أقل مما تعتبره حقًا سياديًا.
من هنا تبدأ القراءة الإيرانية المختلفة. فإذا كانت واشنطن تريد خنق الموارد الإيرانية أمام عالم يتفرج، فلماذا لا يشعر هذا العالم بأن استمرار الحرب لن يبقى بعيدًا عنه؟ ولماذا تبقى الكلفة محصورة في إيران، بينما تمر مصالح العالم كلها من البحر ذاته؟ في هذه النقطة تظهر ورقة هرمز بمعناها الأوسع: ليست ناقلات النفط وحدها في دائرة الخطر، بل أيضًا الكابلات البحرية التي تنقل حركة الإنترنت والاتصالات والمال والخدمات السحابية.
هذه الورقة ليست بسيطة ولا عابرة. فتعطيل كابل بحري أو تهديده لا يعني انقطاع اتصال محدود، بل اضطرابًا في البنوك، والأسواق، والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وخدمات الشركات، وحركة البيانات بين القارات. كما أن إصلاح هذه الكابلات في زمن الحرب يصبح مهمة معقدة؛ فالسفن التي تصلح الأعطال تحتاج إلى تصاريح، وحماية، وممرات آمنة، ووقت لا يتوفر بسهولة في منطقة مشتعلة.
لكن الأهم أن إيران قد لا تحتاج إلى استخدام الورقة فعلًا. أحيانًا يكفي أن تذكّر العالم بأن هذه البنية الهشة تمر قرب منطقة حرب. يكفي أن يدخل الخطر في حسابات شركات التأمين، ومشغلي الاتصالات، ومراكز البيانات، والدول التي بنت طموحاتها الرقمية على استقرار الخليج. عندها يتحول التهديد من فعل عسكري مباشر إلى ضغط نفسي واقتصادي واسع.
المفارقة أن العالم لا يتحرك عادة إلا عندما تمس النار مصالحه المباشرة. طالما الحرب فوق إيران، أو على حدود لبنان، أو في مياه الخليج، يبقى الموقف الدولي مترددًا ومحكومًا بالحسابات. لكن عندما تقترب الحرب من الطاقة، والإنترنت، والرقائق، وسلاسل النقل، والبيانات، يصبح الصمت أكثر كلفة. هنا قد تراهن طهران على أن العالم لن يستيقظ بسبب العدالة، بل بسبب الخسارة.
بهذا المعنى، لا يخوض ترامب الحرب بالحصار وحده، ولا ترد إيران بالصواريخ وحدها. الطرفان يدخلان حرب الأعصاب الكبرى. واشنطن تقول لطهران إن مواردها تحت السيطرة، وطهران ترد بأن ممرات العالم ليست بعيدة عن النار. أميركا تضغط على الاقتصاد الإيراني، وإيران تلوّح بإدخال الاقتصاد العالمي في دائرة القلق.
الخلاصة أن "الوقت الضائع” ليس هدوءًا، بل مرحلة أكثر خطورة من الحرب. إنه زمن الأوراق غير المستخدمة بعد: الحصار، الضربات المؤجلة، هرمز، والكابلات البحرية. وإذا بقي العالم متفرجًا، فقد يكتشف متأخرًا أن الحرب التي ظنها بعيدة لا تمر فقط في السماء، ولا فوق سطح البحر، بل في الأعماق أيضًا؛ داخل كابل رفيع يحمل معه اتصالات العالم، وأسواقه، وذاكرته الرقمية.