كتب - زياد فرحان المجالي

لا يقف لبنان اليوم أمام سؤالٍ بسيط: هل يفاوض إسرائيل أم لا؟ بل أمام سؤال أشدّ عمقًا وحساسية: بأي أوراق يفاوض؟ وتحت أي ضمانات؟ ومن يملك، في النهاية، قرار الحرب والسلم في دولة أنهكتها الحروب، وأضعفتها الانقسامات، وتركها الخارج غالبًا تدفع أثمان تسويات لا تصنعها وحدها؟

فالطرح الأميركي، كما ظهر في بيان السفارة الأميركية في بيروت، يحاول دفع لبنان نحو مسار تفاوضي تحت عنوان استعادة السيادة وضمان وقف الأعمال العدائية. وهذه عناوين لا يرفضها عاقل. فمن مصلحة لبنان أن تتوقف الحرب، وأن تنسحب إسرائيل من النقاط التي تحتلها، وأن يعود الجنوب إلى أهله، وأن تستعيد الدولة قرارها وحدودها وهيبتها. لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ التفاوض، بل في شروطه وتوقيته وموازين القوة التي تحكمه.


فالتفاوض ليس قيمة بحد ذاته. قد يكون طريقًا إلى استعادة الحقوق، وقد يتحول إلى غطاء لتثبيت الأمر الواقع. الفارق بين الحالتين لا تصنعه النيات الطيبة، ولا الصور أمام الكاميرات، بل تصنعه الأوراق التي يحملها الطرف الضعيف، والضمانات التي تقيد الطرف الأقوى، والقدرة على منع تحويل الطاولة إلى منصة لإملاء الشروط.

هنا تكمن عقدة لبنان. فهو لا يحتاج إلى لقاء سياسي جديد بقدر ما يحتاج إلى وقائع ميدانية واضحة: انسحاب إسرائيلي من النقاط المحتلة، وقف الخروقات، تثبيت الحدود، وقيام ضمانات لا تتبدل بتبدل الإدارة الأميركية. أما أن يُطلب من لبنان الذهاب إلى التفاوض بينما تبقى إسرائيل في الأرض، وتبقى الخروقات قائمة، ويبقى ميزان الضغط موجهًا نحو الداخل اللبناني أكثر مما هو موجه نحو الاحتلال، فذلك يفتح الباب أمام تنازل مجاني لا أمام تسوية عادلة.

واشنطن تقدم نفسها راعيًا وضامنًا. لكن الذاكرة السياسية القريبة لا تمنح الضمان الأميركي براءة كاملة. فالولايات المتحدة تستطيع أن توقّع اتفاقًا في عهد إدارة، ثم تنقلب عليه إدارة أخرى. تجربة الاتفاق النووي مع إيران مثال واضح على أن التعهد الأميركي قد يكون سياسيًا أكثر منه مؤسسيًا. لذلك، من حق لبنان أن يسأل: ما قيمة أي ضمان إذا كان مرتبطًا بالرئيس الموجود في البيت الأبيض، لا بالتزامات دولية ثابتة وملزمة؟

في الداخل اللبناني، يظهر الانقسام حول شكل التفاوض ومعناه. فالثنائي الشيعي وحزب الله يفضلان مفاوضات غير مباشرة تحفظ الشكل السياسي وتمنع تحويل اللقاء إلى اعتراف مجاني. في المقابل، يرى آخرون أن اللحظة قد تكون فرصة لإخراج لبنان من أسر المحاور، شرط أن يدخل التفاوض بإرادة لبنانية خالصة، لا بتوقيت إيراني ولا بضغط أميركي ولا تحت سقف إسرائيلي مفروض مسبقًا.

لكن المسألة الأعمق تبقى في سؤال قرار الحرب والسلم. فخصوم حزب الله يرون أن لبنان دفع ثمن قرارات عسكرية لم تتخذها الدولة، وأن الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس جاء في سياق مواجهة لم تكن الحكومة اللبنانية تتحكم بمسارها كاملًا. أما حزب الله وحلفاؤه فيرون أن تحويل السلاح إلى العنوان الوحيد للنقاش يتجاهل أصل المشكلة: الاحتلال والخروقات الإسرائيلية واستمرار الاعتداءات.

وبين هذين المنطقين، تضيع أحيانًا مصلحة الدولة. فلبنان لا يستطيع أن يفاوض منقسمًا على نفسه، ولا يستطيع أن يستعيد سيادته إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسساته، كما لا يستطيع أن يطلب من الداخل تقديم أثمان سياسية قبل أن يحصل من إسرائيل على انسحاب واضح وضمانات فعلية. السيادة لا تُجزّأ: لا تكتمل بوجود احتلال، ولا تكتمل بغياب قرار وطني موحد.

لذلك، فإن اللحظة الحالية تحمل فرصة ومأزقًا في آن واحد. الفرصة أن يتحول الضغط الدولي إلى مسار يثبت وقف النار، ويعيد النازحين، ويضع إسرائيل أمام التزامات واضحة. أما المأزق فهو أن يتحول التفاوض إلى أداة ضغط على لبنان لا على إسرائيل، وأن يُطلب من اللبنانيين تقديم السياسة قبل استعادة الأرض.


الخلاصة أن لبنان لا يرفض السلام، ولا يرفض السيادة، ولا يرفض التفاوض. لكنه يحتاج إلى تفاوض يحمي هذه المعاني لا يفرغها من مضمونها. فالتفاوض الناجح لا يبدأ من التنازل، بل من تثبيت الحقوق. والسيادة لا تُستعاد بصورة بروتوكولية، بل بانسحاب واضح، وضمانات ثابتة، وقرار وطني لا يكون رهينة الخارج.