كتب أ. د. عبدالحكيم الحسبان - 

ؤلأن الحكمة الصينية تقول إن مشاهدة الصورة تغنيك عن الاستماع لالف كلمة، فسوق احيل القارئ إلى صورة الواجهة الغربية للحرم الجامعي في جامعة اليرموك الذي يحاذيه الشارع المؤدي إلى بلدة أيدون جنوب مدينة إربد. ففي هذه الواجهة من الحرم الجامعي تجتمع ثلاثة مباني كبيرة وهامة تمثل لحظات التأسيس والولادة في جامعة اليرموك وهي مباني كلية الاقتصاد، والاثار والانثروبولوجيا، والقرية الانجليزية وعلى مقربة عشرات الامتار منها يقبع بناء حديث لأحد المطاعم الحديثة جدا والذي يحمل اسما اميركيا شهيرا للوجبات السريعة.

من ينظر في حال المباني يمكن له أن يفهم سريعا حال اليرموك بعد خمسين عاما من التأسيس، كما يمكن له أن يفهم كثيرا من التحولات التي ضربت عميقا في الدولة والمجتمع وفي علاقتهما بالمال والببزنس والاستثمار. ففي حين يبدو حال مباني الكليات الجامعية الثلاث أشبه بحال مباني في دول عاشت حروبا مدمرة إذ لم تخضع واجهات تلك المباني لاي عمليات صيانة أو ترميم أو طلاء منذ التأسيس، فتراكمت علها تأثيرات الانسان والزمان، فإن بناء مطعم الوجبات السريعة الذي اقيم على جزء من ارض الحرم الجامعي يبدو في كامل اناقته ولمعان الوانه وحداثته.

في مثل هذه الايام من العام 1976 كانت نخب عمان ودوائر صنع القرار فيها وبرغم كل التركات الثقيلة على البلاد التي اوقعتها حربان كبيرتان ضربتا المنطقة وكان الانخراط الاردني فيهما مباشرا في العامين 1967 و 1973 ، كانت دوائر صنع تتحضر لصياغة مرسوم ملكي سام سيكون له تأثيراته الكبيرة والجذرية في الخريطة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد واستطرادا في شمالها الممتد حينها من الحدود العراقية مروروا بالسورية وصولا لشمالي فلسطين المحتلة. فكان القرار الملكي صيف ذلك العام بتأسيس جامعة ثانية في البلاد بعد نحو 14 عاما من تأسيس أول جامعة اردنية لتكون في مدينة عمان.

واثر صدور القرار الملكي في صيف ذلك العام بدأت أعمال الانشاء بكد ونشاط لتحيل تلك الاراضي وبساتين الزيتون التي كانت بمثابة هوامش لاقتصاد عزلة فلاحي غير معولم عاشته إربد القرية على مدى قرون إلى أن بدأت التحولات تضرب عميقا في اقتصادها وديموغرافيتها واجتماعها بدأ من خمسينيات القرن الماضي بتأثير من التطورات في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وما نتج عنها من دفق مستمر للمهاجرين واللاجئين ومن بيئات فلاحية ومدينية ضاربة في حضريتها. فجاء قرار تأسيس جامعة اليرموك ليواكب تلك التحولات، كما جاء ليفيد منها في الوقت نفسه.

في الذكرى الخمسين لتأسيس الجامعة لا بد من التوقف كثيرا أمام عظمة كل من ساهم في قرار التأسيس لهذه الجامعة التي نقلت شمال البلاد من حال إلى حال ولتحيل شمال البلاد من اقتصاد واجتماع فلاحي ورعوي تقليدي منعزل عن العالم إلى حد كبير، الى اقتصاد واجتماع حديثين أكثر انخراطا واكثر ديناميكية وتشابكا مع الاقتصاد في الاقليم وفي العالم. من المثير للحزن أن كل التأثيرات والتحولات العميقة التي حصلت في شمال البلاد وبتأثير مباشر من الجامعة فيها، لم تقم الجامعة حتى الان بتشكيل فريق بحثي كفؤ ليعد دراسة علمية حولها ولتكون دراسة عن تاريخ اربد والاردن، كما تكون بمثابة شهادة وتوثيق علمي لما مارسته الجامعة من دور وهو دور تاريخي بلا شك، وبما يبعدنا عن حفلات الدبكة والتهريج وصياغات الخطب الانشائية عن دور الجامعة التي تلقى على جمهور غير مبال يسمعها ولكنه لا ينصت اليها.

والحال، فإن تلك التأثيرات العميقة التي احدثتها الجامعة في اقتصاد البلاد وخصوصا في الشمال منها، لم تتأتى الا بفعل البنيان العفي الذي كانت تتمتع به حينها. ففي سنوات التأسيس الأولى كانت جامعة اليرموك تضم في عديد طلبتها من خارج محافظة اربد باكثر مما كانت تضم من محافظة اربد نفسها. وكانت أعداد الطلبة القادمين من محافظات الجنوب والوسط ذات حضور لافت. وفي قاعات الدراسة اتيح للطلبة القادمين من اربد ومن القرى المحيطة بها أن يعيشوا تجربة الدراسة والتثاقف مع طلبة قادمين من بيئات اكثر حضرية واكثر عولمة من فلسطين والعراق والجزائر ودول الخليج. وأما على صعيد هيئة التدريس فما زلت احفظ اسماء لبريطانيين وغربيين وهنود وعرب من مثل بيتر هاردكاستل وشيري لينزن وفرانك فانسيليو وغيرهم وغيرهم ممن عملوا لسنوات طويلة في الجامعة.

في سنوات التأسيس كانت الجامعة مشروعا يحظى برعاية اعلى مستويات صناعة القرار في البلاد ماليا واداريا ولم تبخل الدولة مطلقا في المال والاهتمام والرعاية بالجامعة، وهو ما يفسر كل تلك الزيارات المتكررة الملكية ولولي العهد حينها للجامعة وقاعاتها ومحاورة طلبتها واساتذتها. وفي سنوات التأسيس لم يكن يمر عام إلا وتشهد الجامعة توسعا إن كان على صعيد بنيتها التحتية ومختبراتها ومواردها البشرية اكاديمية وادارية . وأما موقع رئيس الجامعة فقد كان في المخيلة العامة كما على صعيد التمثلات هو ضمن نطاق رجالات الصف الاول في الادارة الاردنية، وليس من قبيل المصادفة أن يكون اول رئيس لجامعة اليرموك هو د. عدنا ن بدران ليختار لاحقا لموقع رئيس الوزراء.

وفي مقابل لحظات التاسيس الواعدة التي لن يتسع المقام هنا لللاتيان بالارقام والاحصائيات والوقائع للاتيان بالدليل على صحتها، فإن حال جامعة اليرموك في العام الخمسين على انشائها هو في الطرف النقيض لحقبة البدايات والتأسيس. ففي مقابل حال الانطلاق والنمو والتوسع والديناميكية والشباب التي عاشتها الجامعة في عقود التاسيس الاولى، تبدو الجامعة راهنا وهي تعيش اكثر اللحظات قتامة في تاريخها بفعل سلسلة من الازمات المالية والادارية والثقافية والقيمية التي باتت تضرب عميقا فيها وبما ينعكس مباشرة على البيئة المحيطة بها كما على خريطة التعليم العالي مجتمعة على صعيد المملكة.

وللتدليل على عمق الازمة وعلى علامات الشيخوخة المبكرة التي تعيشها الجامعة في العام الخمسين من عمرها، فيكفي النظر إلى بعض المؤشرات الموضوعية التي لا يمكن المحاججة مطلقا بوجودها. فلفظة اليرموك ولفظة المديونية القياسية باتتا توأمان لا ينفصلان، فلفظة مديونية صارت تعني اليرموك ولفظة اليرموك صارت اول ما تستحضر في الذهن هو لفظة مديونية. فالمديونية وبرغم كل محاولات تمييعها حقيقتها وأسبابها تجاوزت الماية مليون دينار، وبما يناهز الماية وخمسين بالمئة من حجم ميزانيتها السنوية. وأما حال البنية التحتية من مبان ومختبرات واجهزة، فيكفي افصاح ادارة الجامعة عن المبالغ التي تم انفاقها خلال العشرة اعوام الاخيرة علي تطويرها أو صيانتها، لنكتشف أننا امام مأساة حقيقية لن تخفيها كل صور الاحتفالات ذات الالوان الزاهية داخل بعض الغرف في الحرم الجامعي.

كما يكفي النظر في خريطة الموارد البشرية لجهة الهوية والتأهيل والمؤهلات داخل الجامعة من عاملين ومدرسين وطلبة لنكتشف أننا أمام خريطة لا تشبه الجامعات الحديثة حتى وفق المواصفات التي تتحدث عنها هيئة الاعتماد ووزارة التعليم العالي وكل التصنيفات العالمية التي يفاخر البعض بالحصول عليها. فعاما بعد عام كان هناك من أخذ الجامعة من موقع الجامعة الواعدة على صعيد العالمية إلى جامعة مفرطة في المحلية على صعيد موارها البشرية كما على صعيد طلبتها كما على صعيد منظومة القيم والاخلاقيات فيها.

وفي عامها الخمسين تبدو الجامعة وقد بات جل همها التأكد من امكانية وصول رواتب العاملين فيها التي لم تخضع لاي زيادة منذ ربع قرن بل طرأ نقصان عليها في السنوات الاخيرة، إلى حسابات العاملين فيها في البنوك نهاية الشهر. ولم يعد هناك حديث عن برامج لجذب اساتذة عالميين مبدعين للجامعة أو طلبة دوليين من ثقافات بعيدة جغرافيا بل بات كل الحديث عن المال الشحيح الذي ينضب من خزائن الجامعة. ويكفي النظر موخرا للحال الحزين واللانساني الذي بات يعانيه العاملون فيما يتصل بتأمينهم الصحي واذ باتت الجامعة عاجزة عن تامين متطلبات التامين الصحي الذي كانت في سنوات خلت قادرة على تأمينه. كما يكفي الاشارة إلى بعض تفاصيل العلاقة المتوترة والمشحونة بين نقابة الصيادلة ومالكي المستشفيات واصحاب الصيدليات من جهة وادارة الجامعة من جهة وبينهم الطوابير الطويلة من حملة الوصفات الدوائية الذين تقطعت بهم السبل داخل الحرم الجامعي وخارجه.

وأما ملفات الابتعاث والنشر والانشطة العلمية وسلامة البيئة الصفية وتوافر المرافق الصحية واختفاء المطاعم الجامعية الخاصة بالطلبة والعاملين من داخل الحرم الجامعي، ناهيك عن ملف منظومة القيم الثقافية وهيمنة ثقافة الركوب المجاني البحثي وانتشار ثقافة التقاضي وشحططة الزملاء لاداراتهم ولزملائهم داخل اروقة القضاء ناهيك عن تناسل أعداد لجان التحقيق وتكاثرها بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الاخيرة، مضافا اليها نمطا متناميا من الانفصال بين الجسم الاداري والاكاديمي وادارات الجامعة نتيجة تعيينات متتالية لرؤساء الجامعة نظر اليها من قبل العاملين بنوع من التشكيكك في مستوى مهنيتها ومؤسسيتها. فهي كلها ملفات تحكي الكثير عن عمق الازمة التي تضرب اليرموك في العمق وتهدد استمراريتها ووجودها.

في العيد الخمسين للجامعة وأمام عمق الازمة التي تعيشها الجامعة، فإن ثمة أمل ما زال وإن كان قليلا، بأن تكون ذكرى العام الخمسين على التأسيس لحظة لامتلاك القلب شجاعة الاعتراف بوجود ازمة كبرى وجودية، وبامتلاك العقل لشجاعة المبادرة بالدخول في نقاش علمي من قبل ادارة الجامعة كما مجلس الامناء وصانع القرار في عمان حول أزمة الجامعة وحول عقم المسارات التي اختيرت لها خلال السنوات الاخيرة. فالاحتقال بذكرى التأسيس الخمسين لن يكون مشروعا الا اذا اشتمل على مراجعة عميقة وشجاعة لتجربة اليرموك على مدى خمسين عاما لجهة النجاحات التي احرزت على صعيد الجامعة كما على صعيد اقليم الشمال وعلى صعيد الوطن، الى جانب مراجعة عميقة تجري بالتوازي لكل عوامل الفشل والاخفاقات وعناصر الموات التي دخلت الجامعة فأنهكمتها وجلبت الخراب وشبح الانهيار اليها.

في الذكرى الخمسين سيكون أي تنظيم لحفلات الموسيقى والدبكة والاحتفاليات الصاخبة هو خارج السياق وخارج المنطق ومظاهر الازمة تضرب مباني الجامعة ومختبراتها، وتضرب صحة العاملين وعافيتهم، كما تضرب جيوب العاملين واذ تنتظر طوابير طويلة منهم مكافات نهاية خدمة ينص القانون عليها في حين تعجز ادارة الجامعة عن الوفاء بها. فقبل التفكير بتنظيم أي احتفاليات واهازيج للدبكة، يتمنى العاملون وانا منهم أن نرى ورشا بحثية وحلقات نقاشية علمية طويلة تنظمها ادارة الجامعة ينخرط بها كل اصحاب الشأن من نخب وصناع قرار وعاملين وطلبة سابقون وفاعلون من المجتمع المحلي والجماعة الوطنية حول الجامعة ونجاحاتها وازمتها ليعقبها بعد ذلك حلقات الدبكة والزغاريد وطقوس توزيع الاوسمة وشهادات التقدير.